البرحي لايرحل بعيدا
فاضل الفتلاوي
أقبل شتاء هذا العام مختلفا عما سبقه بأحداث ألقت بظلالها على الحي العشاري القديم فقد بكر كثيرا وفاجئ الجميع بلسعات برد لم تعتادها الأجساد المتعبة من قبل وامتلأت الأزقة بالمياه النازلة من السماء التي اختلطت مع مياه الصرف الصحي الثقيلة مكونة مستنقعا واسعا قذرا وطافت النفايات البشرية فوق المسطحات بأحجام وأشكال شتى تثير التقزز وتبعث على التقيؤ وثمةاطفال يلهون وسط الأوحال ونسوة شددن اوساطهن بشالات قديمة أنشغلن بنقل اغراض بيوتهن الى ابدان الشاحنات المتوقفة منذ الصباح الباكر وهن يلعن الحرب والمدافع والمبادئ البوابة التي لم تجلب سوى بحارا من الدموع والدماء وأخذ الرجال بترتيب الأمور ورصف الأغراض تمهيدا للرحيل المؤقت نحو الشمال .
كان الحي الواقع على ضفاف شط العرب يعج بالحركة والحياة قبل هذا الشتاء وعلى حين غرة أختفت حركة عمال الداكير*ولم تعد تسمع اغانيهم الصباحية وأغلقت المقاهي ورحل العطارون بعيدا وخلا مرسى الزوارق من رقصات البحارة المغادرين والعائدين .
حدث كل هذا بعد أن تناهى لإسماع الأهالي بأن الجنود المرابطون في الجانب البعيد من النهر سيدخلون المدينة ويستبيحون كل شيء في لحظات.
تبادل الأطفال قبلات الوداع ورحلوا بعيدا مع أهليهم وألقت العجائز آخر ما لديهن في مرقد الأمير القريب .
في ظهيرة ذلك اليوم ساد السكون التام ولم يتبقى في الحي سوى بضعة رجال ،كان حافظ وهو من الرجال الأربعة الذين أثروا البقاء ينظر بأسى إلى بيوت خاوية ،خالية وألعاب طينية وكرة صغيرة من البلاستك الرخيص تطفو فوق الماء تركها الأطفال في عجالتهم .
تساءل مع نفسه:يا ترى كيف يرحل الناس هكذا ويتركوا النخيل واقفا شامخا لوحده ؟
أما خجل ولدي الكبير يريد مني ويتوسل أن ارحل واترك نخلتي البرحية هذه وفسيلتها عارية أمام المدافع ولله أن الموت أهون علي من فعل ذلك .
وجاء الليل سريعا مزمجرا ودوت المدافع وتطايرت أشلاء النخيل ،كان نظر حافظ مسمرا نحو الشرق ، جحظت عيناه وهو يرى الشظايا المتطايرة تخترق جسد برحيته الرشيق،تسلقها مرارا ،كان يترائ له السياب يلوح مشجعا من خلال ضوء القمر ،لاحت له فكرة مفاجئة،فلأبعد الفسيلة عن أمها حتى عودة الأمور الى طبيعتها ،ربت على سعفاتها ،سترحلين مؤقتا عزيزتي ،راح يحفر الأرض بقوة(غاصت مسحاته) في الأعماق ،هذه ملتصقة بالأرض التصاقا غريبا ، كلت يداه ولم يصل جذورها ،أقتلع قبلها المئات ولكن هذه مختلفة تماما ،اهتزت سعفات الأم بقوة ،هاله المنظر،كانت الصغيرة ملتصقة بأمها التصاق الجنين بحبل امه السري.



