شاي أسود ثقيل ونموذج إجازة عسكرية

بولص آدم
بعد ليلة كتَبَت الدبابات والصواريخ والمدافع صخبها العبثي، وأختلطت فيهاالدماء مع مياه الأمطار، و الدخان والأطيان التي تغطينا مع كل إرتدادٍ للسرفات في الأوحال، توقفت البنادق من تلقاء رحمتها المستحيلة محشوة بالطين الأحمر.
عند التوقف على مشارف بلدة أمامي، نزلت ببطء من على ظهر التانكر، وجثيتُ على رُكبي بُرهة كي أقدر على تكملة المسير..
سألتُ إحدى بائعات التمر على الرصيف عن إسم البلدة، فنظرت الي بإستغراب وقالت:ـ الدير..
أكملتُ المسير وأنا أبحثُ عن مقهى أو باعة شاي الأرصفة، شاي أسود ثقيل، دواء علاج الصدمة! تَوَسَّلتُ امرأة تجلس على صفيحة وأمامها موقد نفطي صغير فوقه مقلات، تعرُضُ البيض المقلي، يتقافز حولها طفل وطفلة:
.. دخلت الى مقهى في سوق الدير، ماأن جلست، حتى فكرت بأنني بحاجة الى نقود، النقود مع أوراق أُخرى في كيس ملفوف، بحثتُ في جيوب بدلتي الخاكية الجديدة، وتذكرتُ بدلتي التي تركتها خلف نخلة ضخمة، نزعتها بأوحالها ورائحتها الكريهة هناك، عُدتُ إليها بأطمئنان من يعرف بأن هكذا مُخلفات لايهتم بها أحد..
وأنا جالس على كرسي خوص النخيل في المقهى المُسقف بالسعف، شعرتُ وكأنني في رحاب الجنة، قطعة تتمثل بهذا الكون العفيف بسلامه الأخاذ، مقهى على الشارع في ناحية الدير. أنا قريبُ من البصرة .. في البصرة ساحة سعد، وفي ساحة سعد نقليات تأخذنا الى بغداد. هكذا بدأتُ تنظيم وجهتي وأنا بأنتظار استكان شاي أسود ثقيل، أستجمع قواي و أصحح لنفسي، كل أوهام الخوف والموت في ظلمة الليلة المُندحرة وأيقنتُ بأنني فعلاً على قيد الحياة.
نظرتُ الى الساعة اليدوية في معصمي، عقارب الساعة متوقفة، سُئِلتُ وأنا أبرُمُ الزُّنبرك:
ـ قُل لي يا أخ ، هل هُناك مُستشفى عسكري هُنا؟
ـ رُبما في البصرة، ليسَ هُنا.
كان جُنديا بملامح صبي قَلِق، مَدَّ إلي مضروف بُرتقالي كبير.. يحوي صورة شُعاعية، صدره مبقع ببقع بيضاء صغيرة.
ـ ياأخي، إذهب الى المستشفى العسكري، إبحث عنهُ..
ـ لكنني جوعان وليس لدي ولو درهم.
نبهتني رائحة اللحم المشوي، بأن هذا المقهى يبيعُ الكباب أيضاً
وبجوعه إستيقض لديَّ كُل الجوع المُحتمَل، نظرت خلفي وأمامي، أشمٌّ رائحة ذلك الكباب، لكنني لاأرى مصدره.
قال عامل المقهى:
ـ منقلة الفحم خلف المقهى، هل ترغبان تناول َنفري كباب؟
.. ونحن نضع صحنين على رُكبتينا ونلفُّ لفافة الخبز الحار الأسمر بأصابع الكباب والبصل الأخضر، تذكرتُ بأنني جُندي يتجول بعد معركة كيفما أتفق، ليس لدي أي إجازة ( نموذج) ! عَلُقت اللقمة الكبيرة في البلعوم، بلعتها بصعوبة مُرتشفاً آخر قطرة شاي..
.. شكرني الجندي على دفعي ثمن وجبة الكباب الذي أعاد الطمأنينة على وجهه، عبثت يده بمسند كرسي الخوص وكسر بأصبعين عود صغير،جعل ينظف بين أسنانه بقايا اللحم وهو ينظر الي وأنا ساهمُ أفكِّرُ بكيفية تجاوز مفارز الأنضباط العسكري والسيطرات على طريق طويلة حتى بغداد.
ـ أستودعك الله (قال الجندي) ليس لدي ما أُجازيكَ به على الكباب والشاي أخي، لكن عندي نموذج إجازة فارغ، لو أردتَ يُمكنك الحصول عليه!



