ثقافية

في الجدل السائد حول الرواية والسيرة

 المراقب العراقي/ متابعة…

أثارت وتثيرُ، علاقة السيرة الذاتية بالرواية الكثير من التساؤلات، التي يفهم من بعضها أنَّ كاتب الرواية يستطيع أن يتكئَ، في ما يكتبه من روايات على سيرته الشخصية، وبذلك يتوافق الذاتي مع الموضوعي، في البناء، وفي المضمون. ويفهم من بعضها أن الروائي ينبغي له أن لا يتكئ على سيرته الذاتية إطلاقا. لكون الرواية فنا غير ذاتي كالشعر. فنحن في الرواية نتعرف على عدد كبير، أو قليل من الشخصيات، وهذه الشخصيات يختلف بعضها عن بعض اختلافَها عن المؤلف. ومما يبرهن على صحة هذا الرأي أن الكاتب الروائي الحقيقي لا المدعي، أو الهاوي، يكتب في حياته عددا من الروايات، وفي كل رواية يخترع عددا من الشخصيات، فلو كان جديرا به أن يتكئ على حياته، وتجاربه الشخصية، من حيث هو فرد، لوجب في هذه الحال أن يبعثر شخصيته، وتجاربه، في عدد من الذوات، لا تؤدي لذات موحدة. ووجب أن تكون شخصيته أباديدَ متناثرة، على النحو الذي يذكرنا بقول جبرا إبراهيم جبرا: إن سيرتي مبعثرة في رواياتي.

وهذا شيءٌ لا نجده في الروايات العالمية التي لقيتْ إجماعًا، أو شبه إجماع، على أنها روايات كلاسيكية جيدة، بل من الروائع. فأنت تقرأ رواية «الأبله» لدستويفسكي، و«أنا كارنينا» لتولستوي، و«مدام بوفاري» لغوستاف فلوبير، و«مرتفعات وذرنغ» لإميلي برونتي، وغيرها الكثير، فلا تجد فيها قدر قلامة من سِيَر هؤلاء الكتاب. ولا يجد القارئ الذي ينتسب لثقافة مغايرة لثقافة أصول هؤلاء الكتاب، عنتًا في قراءتها، والاستمتاع بها، والتعرف على الشخصيات، والحوادث، والدوافع الكامنة، والرسائل الأيديولوجية التي يبثها المؤلفون فيها، من موقع لآخر، مع أنهم لا يتكئون على سيرهم الذاتية، ولا على تجاربهم الشخصية.

من هنا نستطيع القول: إن شيئًا من هشاشة الرواية العربية مردُّه إلى هذه الفكرة الخاطئة، التي يؤمن بها ويعتنقها عدد غير قليل من الكتاب العرب، الذين ظنّوا أنهم روائيون. وهم يدافعون عنها دفاعًا شديدًا. فثمة كاتب ـ إبراهيم عبد المجيد- يدَّعي أنَّ تسرُّب أحداث ووقائع، من حياة الكاتب في أعماله الروائية، لا يُعيب. وليته يكتفي بهذا، بل يضيف مؤكدًا أن هذه التسريبات لا تجعل من الرواية سيرة ذاتية للمؤلف. وتقول كاتبة أخرى- منى الشيْمي ـ إن حياة الكاتب الروائي مصدرٌ دائمٌ، ومرجعيّة لا غنى عنها، لكتاباته، فلا يبدع الكاتبُ روايته إلا ويغرفُ من معين ذاكرته، وتجاربه، الشخصية. (اقتبست هذه الآراء من التحقيق المنشور في موقع middle east on line بتاريخ1/1/2020 لأحمد رجب شلتوت) وممِّن يتبنّون هذا الرأي الناقد عبدالله إبراهيم، الذي نشر بحثًا استقصى فيه ما أطلق عليْه تعبير الرواية السيرة، تناول فيه أعمالا لكل من حنا مينه، وعبده وازن، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، وبهاء طاهر، ومحمد شكري، ورؤوف مسعد، وجمال الغيطاني («نزوى»  14 إبريل/نيسان 1998). ونضيف نحن إلى ذلك أعمالا منها: رواية تيسير سبول «أنت منذ اليوم»، و«سرايا بنت الغول» لإميل حبيبي، و«اعترافات كاتم صوت» لمؤنس الرزاز، و«الحديقة السرية» لمحمد القيسي، و«مذكرات امرأة غير واقعية» لسحر خليفة، وأخيرًا «وداعا يازكرين» لرشاد أبو شاور، و«الحبّ وليالي البوم» للكاتب نفسه.

ثمة رأيٌ يرى وجوب الاعتراف بوجود تداخُل أجناسي، وتراسل بين النوعيْن، الرواية والسيرة، وهذه سمةٌ لافتة للنظر في الأدب الحديث، شعره ونثره، وهو شيء يؤكده رينيه ويلك وأوستن ورن في كتابهما نظرية الأدب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى