بين الشهيد العذاري والكساسبة
كلنا يتذكر ما حصل قبل أشهر عدة حين اقدمت عصابات داعش على حرق الطيار الأردني الكساسبة حياً بعد ان اسقطت طائرته فوق مدينة الرقة السورية. لقد استنكر العالم أجمع تلك الجريمة واستنفرت وسائل الاعلام كل امكاناتها وبرامجها وكوادرها لتغطية الحدث.. نشرات الأخبار والتقارير والعواجل وكل شيء اذاعة وتلفزيون وصحف. هذا على مستوى الاعلام أما على المستوى الرسمي فقد أوقفت الحكومة الأردنية أعمالها وشكلت غرفة عمليات مفتوحة لمتابعة التطورات من لحظة أسر الكساسبة الى حين اعلان داعش عن اعدامه حرقا. مجالس العزاء امتدت على مساحة الأردن حكومة وبرلماناً وعشائر ومنظمات مجتمع مدني. نحن في العراق كان موضوع الكساسبة يمثل الشغل الشاغل للقنوات الفضائية وصفحات التواصل الاجتماعي والصحافة وحتى جلسات الحوار في المقاهي والنوادي والبوادي. بعد الاعلان عن موت الكساسبة تسابق البرلمانيون والوزراء والرئاسات والشخصيات السياسية في العراق بالتوجه الى عمان أفرادا وجماعات لتقديم التعازي واداء الواجب على وفق ما تقتضيه الأعراف والأصول والنخوة العربية والتقاليد العراقية حتى ان احدى الشخصيات السياسية العراقية كان مفرطاً في مشاعره الجياشة فقدم مبلغ ربع مليون دولار (فضل) لوالد الكساسبة الذي فاجأ صاحبنا بردها عليه وهو يقول له الشعب العراقي أولى بها فلديكم الكثير من الفقراء والأيتام.. اليوم نعيش مأساة الجريمة البشعة التي ارتكبها التنظيم الارهابي حيث ملحمة الشهيد البطل مصطفى العذاري الذي وقع في الأسر بعدما اصيب بقدمه ونفد عتاده فكان عنواناً للشجاعة والصبر والثبات. الشهيد مصطفى الذي تم الاستعراض به وسط شوارع الفلوجة التي خرجت عن بكرة ابيها تطبل وتزمر وتبتهج بأسر العذاري فكان مصداقا حيا لمسلم بن عقيل زمانه وكانت الفلوجة بحق هي كوفة زمانها.. لم يكتفوا بتعذيبه حياً فقاموا بشنقه ليتدلى جسده من على الجسر ويبقى ثلاثة أيام ثم قاموا بانزال جسده الطاهر ليسحل في الأرض ويدار به في شوارع الفلوجة وسط صيحات التكبير ولم يكتفِ الهمج الرعاع من شركائنا وأنفسنا بذلك فقاموا باحراق جثمانه ليهنئوا بعضهم بعضا ببؤسهم وخستهم وحقارة فعلهم وخسرانهم.. هذه الجريمة البشعة مرت هكذا مرور الكرام على العديد من القنوات الفضائية العراقية بل لم تذكر اطلاقا في قنوات بغداد والشرقية والتغيير والبابلية والبغدادية وغيرها من القنوات المؤدلجة. أما ساسة العراق والحكومة والبرلمان فلا خبر يأتي ولا طيف يمر ولا ضمير يستنفر ولا حياء يستتر, قليلون هم من زار عائلة الشهيد والبعض منهم فعلها على سبيل الدعاية والرياء فراح يعلن ما قدم لهم من مساعدة مالية عبر الصحف والفضائيات والمواقع الالكترونية ليبطل ما تقدم به بالمن والاذى .. لقد سمت روح الشهيد مصطفى العذاري الى عليين مع الأولياء والصالحين لتقتص من المجرمين القتلة كما تقتص من المنافقين الذين تجاهلوا دمه الزكي واستهانوا بتضحيته وتاجروا بمأساته “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.
منهل عبد الأمير المرشدي
m_almurshdi@yahoo.com



