“عن مطر لنا”المجتمع السوري قبل وأثناء الحرب

المراقب العراقي/ متابعة…
تتناول الأديبة السورية هدى فاضل، الحياة الاجتماعية وتأثرها بالواقع ، للإنسان السوري، منذ 30 عامًا، حتى انغماسه بدماء الحرب، في روايتها ”عن مطر لنا“، الصادرة عن دار ماستر للنشر والتوزيع عام 2019.
وترصد الكاتبة السورية أبعادًا زمنية مختلفة، في سردها، وكأنها حملت عدسات سينمائية ضخمة، تتنقل من خلالها، لتصور نمط الحياة الهادئ في القرية السورية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وتصف كم المحبة السائدة بين الناس وقتها.. فعَمّ الهدوء حينما كانت الحياة تقتصر على تربية الأبناء، في جو أسري دافئ، وتبادل للود بين الأسر السورية، وهو ما أنتج حينذاك عائلة كبيرة في القرية، تقوم على المشاركة، في كافة الاتجاهات، ولا يفرقها فكر متطرف، أو شاذ.
وتغلق الكاميرا كادرها بشاشة بيضاء، لتنتقل إلى مشاهد أخرى في العقد الثاني من القرن الحالي، تعري بواسطتها الحالة التي بُنيت عليها الأحداث السورية، من قتل وتدمير للأرض والإنسان، تلك الملابسات التي تحيلك إلى الشك بأنك تشاهد دراما سينيمائية حقًا، أم أنه واقع غير قابل للتصديق.
وتتحدث هدى فاضل عن الحدث الغريب، الذي يفصل الإنسان عن محيطه، ويصنع منه فزاعة، أو مسخًا، يتقبل كل ريشة رسم تلمسه، فتقول: ”الأحداث الخارقة، الأحداث التي قد تغير حياتك، والتي قد تجعلك تعيش حياة جديدة، إنما تحدث داخلك.. في داخلك فحسب، كذبابة في كأس حليب“، وتستمر الأديبة السورية في التناوب على الفترات الزمنية بطريقة التقطيع والدمج للأحداث.
وتسير أحداث الرواية في أجواء من التشويق، على عدة جسور لعلاقات حب مختلفة الصيغة، حيث ”حياة“ الصبية الحالمة، التي تعشق ”جفن“ الغامض، ابن ميروشا، ولأنها حملت اسمًا يدل على ما تكتنزه حالة قريتها، أقدمت على الانتحار أخيرًا.
وكذلك عِشق يحيى الخائب لـ ”سنا“، التي وجدت حلمها في عزيز الذي يقتل أخيرًا في حضن أرضه، وبطل الرواية الذي هو راويها، كان يرصد كل الأحداث، بنبرة العشق غير المبرر، لابنة قريته ”حياة“.
واستطاعت ”فاضل“ أن تنشئ صرحها الروائي، بهندسة بنائية قائمة على الغموض، وهو فعل فني أضفى على النص الجمالية المطلوبة، حيث عمدت إلى أداة تعلق القارئ بمشوارها السردي، حين حجبت تفاصيل حدث ما، تذكره خلال السرد، ومن ثم تعود للكشف عنه في مرحلة متقدمة، مثل حدث سجن عزيز، لكن هنالك تشابكًا رهيبًا في العلاقات العاطفية بين أهل القرية، وهو ما جعل النص ضاجًا بالتفاصيل والأسماء، ما يسبب الإرهاق للمتلقي، ويحتاج إلى يقظة في الذاكرة.



