ثقافية

نجيب محفوظ… صانع الحكاية و«حرافيش» الكتابة

المراقب العراقي/ متابعة…

ما يزال سؤال الرواية قائما في وعي الكتابة الإبداعية لعدم التمكن من الوصول إلى مستوى روائي يجعل من الرواية العربية تتجاوز سقف المحفوظية، الناجزة في الحكاية الواقعية ومحلية الحارة المصرية، التي جعلت النص مرتبطا بوعي إنساني أوصل محفوظ إلى العالمية وتجلياتها النوبلية، وهناك من يقول بأن هذا الكلام فيه تجن على راهن الرواية العربية، لكن ما نتجاهله هو أن هذه الأخيرة تفتقد الزخم النقدي المجاور لها، المتابع لفعالياتها، والماتح من تجلياتها، حيث تنبثق الرؤية والتصور للعمل السردي كمسار تنظيري يسند التجربة ويهيئ الكتابة كي تتسلح بنظرياتها، وهنا يمكن أن نقول بأن الرواية العربية زاحمت الإبداعية الكونية على مسرح الخصوصية.

لما نحت محمد عابد الجابري مصطلح «العقل المستقيل»، كان حينها مهموما بمعوقات التفكير التي جعلت العقل العربي يتخلف عن وعي مصادره الدافعة لإنتاج منظومات التفكير، وهذا ما جعله يفكر بطريقة مختلفة في «العقل البياني» الذي يخضع في إنتاجيته لـ«الأعرابي صانع اللغة»، وليس لمدارات التفكير الأصيلة لدى المفكر العربي، كالجاحظ مثلا، الذي يعتبر الجابري إنتاجيته حصيلة لوعي ذلك الأعرابي صانع اللغة في البادية، ومن هنا يبدو أن الجابري ينتقد ما يمكن أن نسميه «العقل الصفائي» الذي يرتكز أساسا على الأصل النقي فاصلا ديمومة حراكه الراهن عن ذاتية إنتاجية معقولياته، وانطلاقا من هذا المفهوم يمكن أن نقول بأن الرواية العربية مع ما تشهده من تطور، إلا إنها لم تستطع أن تعلن انفكاكها عن السقف المحفوظي، الذي مازال مهيمنا على إنتاج الحكاية ومسطرا لأقدارها السردية، فـ»محفوظ صانع الحكاية» يعود مع كل سطر في الرواية ما بعد الواقعية، لكي يوجه السرد لاكتشاف زاوية كانت مخفية في الوعي السردي العربي، وبذلك ضمنت الرواية المحفوظية هيمنتها على الوعي الإنتاجي، من حيث الزخم الحكائي والفلسفي والتاريخي، الذي طرحته من حيث الرؤية والتصور، فكل ما تفعله الرواية اليوم في محاولاتها الانفصال عن الأب المؤسس، هو الوقوع خلال مسار التمرد على تلك المفردة التي كانت مطمورة في المنهج الروائي المحفوظي، وبذلك تعود التجربة إلى نقطة البداية وتحاول من جديد.

عباءة محفوظ واستمرار الحكاية:إن هذه المشكلة كان يعاني منها «حرافيش» نجيب محفوظ الذين خرجوا من عباءته كجمال الغيطاني ويوسف القعيد، على سبيل المثال، فجمال الغيطاني ما انفك يؤكد على إنه ابن محفوظ الروحي والقريب منه، كما لا أحد غيره، لكنه يختلف عنه فنيا، فالمشروع المحفوظي هو استمرار للتجربة الروائية الغربية، بينما الغيطاني عاد بالكتابة الروائية إلى أصولها السردية العربية، والقعيد يرى بأن أهم سؤال يطرحه جيله هو هل نجيب محفوظ شكل عقبة أمام هذا الجيل؟ وحتى الناقد محمود الضبع يقول في إحدى مداخلاته: أنا لا أعرف، في ساعات أسال في نفسي أني لما أتكلم عن نجيب محفوظ، هل أنا أتكلم بحب زائد؟ أم هو فعلا يستحق؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى