اراءالنسخة الرقمية

فقدان الحلول بين أزمة الجفاف و خطر السيول

ثامر الحجامي
تعرّض العراق في الموسم الماضي الى موجة جفاف حادة، أثرت كثيرا في مناطق الوسط والجنوب، جعلت قرى كثيرة ومدناً كبرى تعاني من شح المياه، وهجّرت كثيرا من المواطنين الذين انقطعت بهم سبل الحصول على مياه الشرب، بل إن محافظة البصرة أصبحت مهددة بأزمة إنسانية حادة، لولا الحلول الترقيعية العاجلة التي تم اتخاذها.
أغلب المياه المتوفرة في العراق هي من خارج حدوده، سواء القادمة من إيران أو القادمة من الأراضي التركية مرورا بسوريا، وهي كانت على الدوام خاضعة للمناكفات السياسية وعلاقة العراق مع هذه الدول، فتارة نرى أزمة في شح المياه وأخرى نرى فائضا يصل حد السيول، فلا التزام باتفاقيات أو معاهدات يحدد حصة العراق المائية مع هذه الدول، ولا خطط موضوعة تحدد حاجة العراق السنوية من المياه، خاصة وأنه يشهد نموا سكانيا مضطردا وارتفاعا في درجات الحرارة غير مسبوق.
كما إن المناطق الوسطى والجنوبية، لم تحضَ بمشاريع إستراتيجية تعالج شح المياه أو زيادتها طوال الخمسين سنة الماضية، ولم تشمل إلا بنسبة 5% من التخصيصات المالية للوزارات المعنية، وجففت مساحات شاسعة من الأهوار التي كانت مخازن طبيعية للمياه، وتم التعدي على ضفاف الإنهار، بحجة إقامة مشاريع استثمارية ومتنزهات ترفيهية، حتى بتنا نسمع أن كلية بنيت في حوض نهر دجلة وغاب دور وزارة الموارد المائية في معظم المحافظات تاركة الأمر الى الحكومات المحلية، تتصارع فيما بينها على الحصص المائية، فتراجعت الزراعة في محافظات كثيرة، وغاب المنتج المحلي من الأسواق، وصرنا نشاهد الفلاحين في مساطر العمالة وليس في الحقول والمزارع.
ما إن اجتزنا أزمة الجفاف بشق الأنفس، بعد صيف ساخن في أجوائه وأحداثه، ووعود بالحلول موسم الصيف المقبل، حتى جاء خطر السيول، في موسم الشتاء مهددا محافظات العراق من شماله الى جنوبه، ولأن معظم السدود في المحافظات الشمالية، فقد كانت الأضرار بسيطة وتم تجاوز الأزمة، لكنها بدأت من بغداد نزولا الى البصرة، فداهمت السيول محافظات واسط وميسان وذي قار وشمال البصرة، وشرد سكان كثير من القرى دون إجراءات حقيقية لإجلائهم أو تخفيف الأضرار عنهم، في حين بقي معظم الاهوار جافا لم تصله المياه الى الآن، لان أراضي هذه الأهوار قد استولت عليها بعض الجهات المتنفذة، وعدم قدرة الحكومة على إزالة التجاوزات عليها.
ما جرى خلال العام المنصرم بعث رسالة واضحة الى المعنيين أن يفيقوا من غفلتهم، وأن يتخذوا إجراءات حقيقية لمواجهة ما يجري إن كان جفافا أو سيولا، ويحتم عليهم وضع خطط عاجلة لتلافي تكرار ما حصل خلال السنوات القادمة، وعليهم إنجاز مشاريع مهمة تستوعب مياه الأمطار وتقلل من حدة الجفاف والحاجة المتزايدة للمياه، وإزالة جميع التجاوزات على ضفاف الأنهار والمسطحات المائية، لكي لا تتحول مياه الأمطار الى نقمة بدلا من أن تكون نعمة، كما ينبغي الابتعاد عن الحلول الآنية و وضع دراسات حقيقية للسنين القادمة، تراعى فيها مصلحة عموم البلاد وليست فئة معينة.
أزمة الجفاف وخطر السيول كان درسا بليغا على الجميع الاستفادة منه في السنوات القادمة، يحتم على الجميع وضع أسس ومعايير صحيحة للتعامل مع أزمة المياه في العراق، وأن لا نترك الأمر للسماء والسياسة، إن أعجبهم جادوا وإن أعجبهم قطعوا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى