ما بعد الحاكم العربي .. الفوضى أو العسكر ؟!

مسلم عباس
يعيش الحاكم العربي مدة طويلة أكثر من أي حاكم في العالم، يأتي عن طريق انقلاب عسكري أو حرب أهلية، يستولي على السلطة تحت يافطة توفير الأمن والاستقرار للبلد، وتحقيق الرفاه الاقتصادي، ويشترك حكام الجمهوريات العربية بان خلفياتهم عسكرية، وولدت ولاياتهم الرئاسية عن طريق الانقلاب. الحاكم العسكري يختزل الدولة باسمه، ويصبح الرمز الوطني الأوحد، أو هو رمز الوطن، وإهانته تعني إهانة الوطن العظيم الذي لا تستطيع دولة في العالم ان تصل الى ما وصل اليه من تقدم اقتصادي وسياسي، ولهذا السبب تقوم الدول الامبريالية بحياكة المؤامرات بالتعاون مع الصهيونية والماسونية العالمية، من أجل تدمير المنجزات الكبرى للجمهورية. هذا هو لسان حال الخطاب الإعلامي للحاكم العسكري الانقلابي. لم يتعوّد العرب على وجود انتخابات حرة، ولا عملية تبادل سلمي للسلطة، ، ولا يزال المخاض في مراحله الأولى، اذ تعاني ليبيا من انهيار تام للدولة، واليمن أما مصر فقد عاد العسكر ليحكم قبضته أشد مما كانت قبل الثورة، وفي سوريا فان الحرب تحولت الى صراع نفوذ عالمي، والحجة دائما موجودة، تحت ذريعة محاربة الارهاب. ربما كانت الحالة التونسية هي الاستثناء الوحيد في الربيع العربي، وربما لان ثورتها لم تأتِ من ردة فعل عاطفية، بقدر ما جاءت من إحساس حقيقي شعر به الشعب التونسي، بالإضافة الى التقدم الذي وصلت اليه البلاد نتيجة احتكاكها بالثقافة الغربية. اليوم تأتي المرحلة الثانية من الربيع العربي، في الجزائر سقط عبد العزيز بوتفلية، وهو ممدد قرب قبره، بعد سنوات من التمسك بعرش السلطة مُقْعَدا مريضا لا يقوى على شيء سوى قمع شعبه، وفي السودان عزل الرئيس عمر البشير، بأمر من الجيش. ما يلاحظ في الحالتين الجزائرية والسودانية، ان الجيش هو من كان صاحب المبادرة وكأنه أخذ الدرس المصري، وطبقه بكل حذافيره، فالقيادات العليا من الجيش، التي تسيطر فعليا على مقاليد السلطة بالتعاون مع الرئيس، ترى ان مراكزها مهددة وان سبب هذا التهديد هو الرئيس نفسه الذي كان حاميا لها في يوم من الأيام. ومن اجل التخلص من الضغط فان قرار عزل الرئيس يحقق اهدافا عدة ابرزها امتصاص حالة الغضب الشعبي، مع المحافظة على السلطة، عبر تنصيب شخصية من قلب المؤسسة العسكرية، يمكن الاعتماد عليها، حدث ذلك في السودان، اذ أعلن وزير الدفاع، عوض بن عوف، ما يسميه «اقتلاع النظام» و»تشكيل مجلس عسكري انتقالي يتولى إدارة حكم البلاد لفترة انتقالية مدتها عامان»، وأعطى وعدا بتهيئة المناخ للانتقال السلمي للسلطة وبناء الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية. لكن الفترة الانتقالية لم تعمر سوى يوم واحد، فأعلن رئيس المجلس العسكري السوداني عوض بن عوف استقالته، تبعه بيوم واحد الفريق أول، صلاح قوش، رئيس جهاز الأمن والمخابرات الوطنية وقدم استقالته يوم الاحد. السودان هي حالة صغيرة للجمهوريات العربية التي تعتمد شروط القائد المفكر الذي يحفظه الله ويطيل في عمره من أجل اصلاح حال البلاد، فهذا الحاكم المقدس لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وامسكها من خلال رجال سلطته، ما يجعل الشعب مثل الطفل المحروم من أساسيات العيش الكريم، تجده مهزوزا لا يجيد فن التفرقة بين الأبيض والأسود، أو الجيد من السيئ.هذه الحلقة الدائرية في التغيير لها جذور، فالعالم العربي لا يعرف التغيير الحقيقي، ذلك النابع من تغيير بنية المؤسسات وليس الشخوص، الشعوب العربية تتعود على السلطوية لذلك حتى مطالبها تكون سلطوية، لا تطالب إلا باستقالة رأس السلطة، وباسمه شخصيا، وكان نهايته تعني نهاية المصائب. وبالطبع هذه الثقافة السلطوية التي ترى التغيير في الأشخاص فقط، نابعة من تلك الممارسات الخاطئة التي يرسخها العسكر خلال سنوات حكمه عبر اختصار تقدم الدولة كلها أو تأخرها بوجود شخص الرئيس، والشعوب الممنوعة من السؤال عن الأشياء التي تحدث أمامها لا يمكنها التفكير خارج نطاق الصندوق الذي وضعت فيه. الشعب يكون داخل صندوق محكم، والرئيس يقف حارسا على ذلك الصندوق لسنوات، وكأنه اغتنم كنزا ثمينا، لكن القِدْرَ لا بد له ان يغلي، والرئيس لا بد له ان ينزل من فوق اكتاف شعبه، ولان الضغط شديد على الشعب، تجد الحاكم يتحول من رئيس مبجل يحفظه الله، الى شخص يُنْعَتُ بالدكتاتور والسارق، وكل الاوصاف السيئة. نهاية الرئيس الدكتاتور هي بداية لفوضى عارمة كما هو حال ليبيا أو ولادة حكومة عسكرية جديدة كما هو حال مصر، لا يصنع الحاكم العسكري مؤسسات مدنية، انما يشد الحبل على شعبه ويدمر كل مظاهر التقدم والازدهار الاقتصادي والنظام السياسي.



