أيديهم لأعلى

حسين هيثم
أرّقَ الموتُ ذلك الجنديّ الذي يزحف بين الجثث في ليل مليء بالموت. زاحفًا للخروج من شارع الموت هذا الذي حدثت فيه ملحمة مصغّرة. تمكّن خلالها الجنديّ من تفجير دبّابة وتهديم أعمدة إغريقية لمصرف محليّ. واصل الزحف وهو ملطّخ بالسخام والدم، وبما تبقّى له من حياة لا يعرف مصيرها، أكمل مسيره نحو ذلك الشارع الجانبيّ الذي لم يمسّه أحد، كان الشارع مظلمًا تمامًا، حتّى ضوء القمر لم يؤثّر فيه، أمكنهُ سماع صوت الجرائد التي يطيّرها الهواء، مع أصوات خفيّة لجنود جرحى بعيدين، وأصوات نيران ما زالتْ تحرق بسيّارة. أتعبه الزحف، فدفع من جانبيه شظايا الرصاص واستلقى واضعًا راسه على خوذة جنديّ مثقوبة، حوله شظايا الرصاص لمعتْ تحت ضوء القمر الذي برز من بين غيوم داكنة، فشعر ببعض الدفء يأتيه من ذلك الضوء الرماديّ، لكنه ما زال قلق من وجود قنّاصين في الشارع، فأدار جسده وأكمل المسير. عَبَرَ التقاطع، وعندما أطمئنَّ تمامًا، نهض لأوّل مرّة منذ خمس ساعات، وجد الشارع ساكنًا، والهواء باردًا جدًّا، فمشى الجنديّ بغير تحديد لاتجاه، لكنه توقّف عند سماعه لصوت قويّ يأتيه من الجانبين، التفت يمينا فأعماه ضوء كشّفات عسكريّة، وكذلك من الجانب الآخر جاء نفس الضوء. تجمّد الجندي هناك واقفًا بين دبّابتين على طرفيّ الشارع بكشّفات عملاقة، بفوّهتين مصوّبتين نحوه. تمكّن في اللحظة الأخيرة من رفع يديه لأعلى قبل اطلاق القذائف من الجهتين، تبخّر خلالها الجنديّ بينما ضربت الدبابات بعضها بقذائفها، ممّا احدث دويّاَ وضوءاً قويّاً، ظنَّ بسببه الجنود الموتى بأنَّ يوم الحساب قد جاء، فمدّ بعضهم أيديهم لأعلى خوفًا.



