اراءالنسخة الرقمية

الانتخابات الإسرائيلية ومزيد من اللاأخلاقية السياسية

د. عبير عبد الرحمن ثابت

لقد وجّه النائب العام الاسرائيلي قبل يومين إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سلسة من التهم تتعلق بسلوكيات فساد؛ وتتضمن رشاوى مالية واستغلال نفوذ وخيانة للأمانة؛ وإذا تمت إدانته بإحدى تلك التهم فسوف يقضي سنوات من عمره في السجن، ونتنياهو اليوم الذي يستعد لخوض معركة انتخابية على رأس حزبه والتي تعد من أصعب معاركه السياسية من المؤكد أن لائحة الاتهام هذه ستزيد من صعوبة موقفه؛ فهو الذي شغل منصب رئيس الوزراء كأطول مدة في تاريخ دولة إسرائيل كان يمني النفس بأن يؤجل توجيه تلك التهم له بعد الانتخابات؛ خاصة أن تلك التهم لا تؤثر في مستقبله السياسي فقط بل على مستقبل حريته والذي تتوارى له خلف قضبان السجن المنتظر له في حال الإدانة .

هذا المشهد اليوم يعد مشهدا عميقا وذا دلالات ومعبرا بصدق عن الواقع السياسي المنحدر نحو التطرف في إسرائيل؛ خاصة أن رئيس وزراء مثل نتنياهو مشكوك في أهليته قانونيا مازال يحكم ويتصدر قوائم المرشحين لفترة جديدة خاصة في الاستطلاعات التي تشير لاختيار رئيس الوزراء؛ ومازال حزبه متمسكا به ويحظى بأوفر فرص استطلاعات الرأي في الفوز.

وهو نفسه مازال متمسكا ويناور ويرفض الانسحاب من المشهد السياسي في غياب ما تبقى له من الحد الأدنى من الأخلاقيات السياسية التي تمتع بها أسلافه المؤسسون؛ تلك الأخلاقيات التى أدت باسحاق رابين في أحد المواقف السياسية إلى الاستقالة من رئاسة الحكومة عندما سرب صحفي خبرا بأن زوجة رابين تحتفظ بثلاثة آلاف دولار بحساب بنكي في الولايات المتحدة من الفترة التي كان يعمل فيها رابين سفيرا لإسرائيل في الولايات المتحدة؛ وهو ما كان مخالفا لقوانين المعمول بها في العام 1977؛ وعندها قرر رابين أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن تصرف زوجته ويستقيل من الحكم.

وبالمقارنة ما بين سلوك نتنياهو و رابين نتخيل حالة التردي الأخلاقي التي وصلت إليه الحياة السياسية في اسرائيل اليوم؛ وكذلك حالة الشعبوية والفاشية واليمينية المتطرفة واللأخلاقية؛ والتي وصل فيها السواد الأعظم من المجتمع الاسرائيلي بحيث يفضل سياسيا فاسدا ويعدّه بطلا قوميا لا بديل عنه، وهذا يؤكد بأن نتنياهو ما كان له أن يبقى في منصبه ومرشحا عن حزب الليكود لولا مراهنته على الفاشية والشعبوية اليمينية اللاأخلاقية التي استشرت في المجتمع الاسرائيلي في السنوات الأخيرة وقدرتها على تثبيته في زعامة الليكود وإيصاله مرة أخرى لمنصب رئيس السلطة التنفيذية في إسرائيل.

إن الانتخابات القادمة في اسرائيل تتعدى كونها تصويتا سياسيا لتتحول إلى اختبار أخلاقي لمجتمع بأسره يدعى أنه مجتمع ديمقراطي يهودي؛ وهذا المشهد المعبر عن واقع اسرائيل إنما يطرح ألف علامة استفهام عن المستقبل الخطر الذي ينتظر القضية الفلسطينية والإقليم بأسره إذا ما نجحت الادارة الأمريكية في فرض خطة سلامها؛ والتي هي نتاج نفس تلك العقلية والثقافة الشعبوية العنصرية الفاشية التي تتحكم في المجتمع الاسرائيلي وفي دولة اسرائيل النووية؛ والتي تصر على إبقاء شعب آخر تحت قوة احتلالها العسكري برغم أنف العالم الحر .

واستمرار هذه الحالة من الاحتلال الاسرائيلي للشعب الفلسطيني؛ انما سيزيد من تطرف اسرائيل وعنصريتها وفاشيتها ولا أخلاقيتها؛ وفي لحظة ما سيجد العالم نفسه أمام فاشية توسعية لا تختلف في شيء عن النازية الألمانية أو الفاشية الايطالية إلا في أصولها العقائدية؛ وعندها سوف يكون الأوان قد فات لتدارك  الكارثة؛  وأي حديث عن السلام مع اسرائيل اليوم ليس إلا ذراً للرماد في العيون التي تتعامى عن رؤية مدى الهبوط الأخلاقي في المجتمع الإسرائيلي؛ والذي تحول فيه اليسارية والإنسانية الأخلاقية إلى تهمة انتخابية بين مرشحين يتبارون في إظهار من منهم يديه أكثر تخضيبا بدماء الفلسطينيين.

وسؤالنا في الختام هل انتخابات من هذا القبيل بإمكانها أن تفرز حاكما من أولئك المرشحين يكون قادرا أو حتى مؤهل أخلاقيا ليكون شريكا في صنع سلام عادل مع الفلسطينيين ؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى