النسخة الرقميةثقافية

السرد يعانق المعنى ويراقص المبنى في نص الشاعرة غادة الباز «إرتدي نصف ظلي»

غسان الحجاج

الإشراق من الداخل لا يضاهي نشوته الفجر الضاحك الذي رضابُه الندى ، إنها لحظة الذوبان الاولى حين تتداخل الجزيئات مع بعضها البعض أما ما يحرّك هذا الخليطَ الروحيَ هو المشاعر الدفينة التي يتدفق منها الصدقُ كما تتدفق العيونُ حسب مشيئة الخالق (سبحانه وتعالى). هو لذة الإحتراق لدى الشموع، هو أن تصنع القصيدةُ مناسكَها البريئة العذرية ليغدو قلبك محراباً لا يدنس بالتكلف، بل هي رقصة الكلمات على إيقاع القلب وهو يهمس بموسيقاه الحالمة الحقيقية الشاردة المنتبهة الصامتة المتكلمة اليافعة الحكيمة الراسية المبحرة هو التلقائية التي تبثُّ الأسرار عبر نوافذ العيون.
وهذا النصُّ هو أقرب الى بوح العيون، حتى ان الحزن المخبوء كمليحةٍ تحت الخمار له ترددات لا يرصدها الا الوالهون، لأنهم أدرى بالشعاب. كيف لا وان المطلع يسأل الطرف الآخر بعد ان يفتح باب السرد على مصراعيه:
أتعلم أني هناك؟
ما زلت غيمةً يعصف بها الحبر في سماوات بعيدة
كان السؤال ليس لغرض الحصول على إجابة لأنه بالتأكيد يعلم بطبيعة الحال، ولكن هي ابجدية أولئك العارفين هي اقرب الى التخاطر، ولكن على أحدهم البدء بأرجحة الكلمات غير المنطوقة لكي لا يتداعى جسر الصبر المشيد بين ضفتيهما. هي نكهة السرد المنسوج من حرير الأبجدية ليرتديه النص بناءاً هي لغة ليست حكائية وإنما هي زقزقات عصافير وهديل حمائم وحفيف رياح وأطلال ذكريات تكاد تبوح أفواه الأشياء من جراء الوجد الطافح.
هنالك نصف سافر مع رحيل المعشوق ذلك يتجلى في الجزئيات (شيء لم أقلْه بعدُ، المبهم، ما ادركت منها كل البوح، نصف ظلي)، وكنتيجة لهذا النصف المسافر:
تدور حولي سحب النور
وتنكسر في مُقَلي مواسم الضوء والشجر
هل تأويل ذلك ان الجوى قاتل يضعف الكاهل؟ فهي لم تذكر الموت مباشرة انما أشارت اليه بأرق ما يمكن من لفظ، لأن الأرواح المضيئة نجومٌ تدور حولها سحب السديم الضوئية، وما سحب النور إلا كناية عن انتقال الى عالم آخر.ولكنّها من جهة أخرى يعييها هذا الغياب اليوسفي الذي يسدل شرفة النور عن مقلتها ويذوي العمر في الخريف الذي يكسر الأغصان بطبيعته العاصفة. ومن الجدير بالذكر ان الضوء والشجر مترافقان فليس من شجرٍ بلا ثمة ضوء.
أما الصورة الشعرية المتمثلة بالقميص الحنطي فهي دليل على هذا الغياب اليوسفي وربما على لون البشرة الحنطي.
نلاحظ أيضا صدى رنين أنخاب السرد التي تسكر المبنى ليتراقص موسيقياً وهو يعانق المعنى عناقا صوفيا، فإن عملية التداخل الرشيق بين الشاعرية والسرد الذاتي الرقراق تعطي نصاً دافئ الإحساس، كالجمال الظاهر المتواري الذي يلح على الفضول بالاكتشاف.
النص يشي بجماله من خلال المحسنات البلاغية والانزياحات فضلا عن الأسلوب السردي الجميل الماتع، ولا سيما في المقطع الثاني.
النص:
أتعلم أني هناك؟
ما زلت غيمة يعصف بها الحبر
في سماوات بعيدة.
أتعلم أني شيء لم أقله بعد؟
أنا المبهم الذي رأيته يوما
وانصرفت
وحدّثك قلبُك أن تعود إليه.
أنا السطور التي قرأتَها لاهثا
فما أدركتَ منها كل البوح.
أرتدي نصف ظلي
وقميصا حنطيا يشرب
صوت العصافير
وتدور حولي سحب النور
وتنكسر في مقلتي
مواسم الضوء والشجر.
كمثل نساء الشرق
نصف أعمارهن في
شرفات الحنين
يسقين أصص الورد
يتحسسن ندى النوافذ
يسألن عن ندى الفجر.
أحرك رياح الحب حين أسير
أرقب ومضه الساحر
والعيون حوله ثملة
تفرغ بكاء الجرح
في حدائق الأضداد.
ما زلت أسقي الحمام
وأطلق حلم الهديل
حرا يضحك في الملكوت.
أحب باحة الدار القديمة
وأذكر الشارع الساكن
و الدور التي سقط منها جدار الزمن
وخيالات من مروا بها تنتظر القيامة.
بين كومة اﻷشياء القديمة قد أكون
أربت على أكتافها المنهكة
وأرمم زهوة الحياة.
ما زالت مراجلي تنوء بعمر غامض
وتنهض في سماوات وتسقط أخرى.
ويتعامد شعاع من ياسمين
على قلبي
في ساعة عشق فأهمس بالربيع.
داخلي وعد البراءة
وحزنا يخلفه
حين نتحلل من كل شيء
فجأة ونضيق.
وفي نظرة الغريب للغريب
حزن لا تعلمه حين يسقط فمي
وتدوسه اﻷقدام.
جملتي النافرة أضعها حبا للحياة
كشعاع مرامه آخر المدى.
في القلب رأيت الله.
ومن يره يرَ
الضعيف
ويسمع ضمور الصوت
وخجل الفاقة.
وأنا الطفلة تركض
على ساحل بحر اﻷمنيات
وان كان عمرها ألف عام..
دونت على طائرة من ورق
سري فأنا أهوى اﻷسرار
ومازلت معها أطير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى