مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم
71
فِي عامِ 2008م، صدر عَنْ مؤسسةِ اليمامة الصحفية كتاب الشاعرة وَالناقدة السعودية الدكتورة فاطمة القرني الموسوم «الشعر العراقي في المنفى.. السماوي أنموذجا»، مَعَ العرضِ أنَّ أصل هَذَا الكتاب الَّذِي يقع في أكثر مِنْ ثلاثمئةِ صفحة هو بحث آكاديمي لنيل درجة الأستاذية فِي النقدِ الأدبي.
وحسبنَا مَا سجلته القرني عَلَى غلافِ كتابها، وَالَّذِي نصه «لا شك في أن الإبداع كممارسة محصّـلة لحال من الإنتفاء اللا إرادي للذات المبدعة.. حال تتجرد فيها تلك الذات من كل موجودات المحيط المُحاصِر لها أحياءاً وأشياء على السواء، لا لتتنكر لتلك الموجودات المُشـَكـِّلة لكيانها هي أصلاً، وإنما لتحقق نوعا من أنواع الإخلاص في النظر إليها وتأملها واستنطاقها للبوح بما هو أصدق وأغـنى في التعبير عن كل أطراف المخاض الإبداعي ـ الأنا.. والآخر القريب والبعيد.. والقول الشعري نفسه ـ تعبيرا مجسّداً لأحد ملامحها جميعا.. موضوعاً ومكاناً، وزماناً كذلك.. وإذا ما قـُدِّر لمبدع ما أن يكابد أزمة محتدمة كهذه في حميم نفي خارجي قسري من سلطة غاشمة أو نظام ظالم ـ كما هي حال يحيى السماوي ـ فإن إنسانية التجربة.. تجاوزها.. ولا نهائيتها ستسفـر عن غـنىً إبداعي موّار لا سقف لامتداد أبعاده، ولا قاع يمكن تصوره لوقدها المحفـِّز لإنسان هذه الأرض.. وهذه الدراسة تتلمس طريقها مخلصة لتحسس التنويعات التي انبنت عليها تقاسيم صوت السماوي.. نافياً.. منفياً.. مفتوناً بالعراق ومُفتتناً عنه.. مستعيداً ومُشكـِّلاً من خلال المرأة، من منفاه وبمنفاه تفاصيل الوطن ـ النموذج ـ الحلم البهيّ الذي لم يفلح رغد البدائل ـ وما أكثرها !!ـ في تسكين جذوته أو ترميد ألقه».
أ رَضَعـتِ مـن مُـقـلِ الزهـور عـطورا
أمْ كـان مـهــدُكِ يــا بــتــولُ زهـــورا؟
أثـمَـلـتِـني برحـيـقِ صـوتِـكِ فانـتـشـتْ
روحٌ تــنــفّـــسَــتِ الــدخــانَ دُهـــورا
أمـسَـيْـتُ مـمـسـوسـاً وكـنـتُ عَـهِـدتُني
جَـلِــداً عـلـى أمــرِ الـهــيــامِ صَـبـورا
لا تـحـذري نـاري فـإنّ أضــالــعــي
حَـطـبي ولـسـتُ بـمَـنْ يخونُ ضَـميرا
أدريـكِ طـاهـرةً.. وحـسـبـي أنـنـي
عـاهــدتُ ربـي أنْ أمــوتَ طـهــورا
فـتـدَبَّــري أمْــرَ الــغــريـبِ فـإنــهُ
طـفـلُ الـمـنى لا يـحـسِـنُ الـتـدبـيـرا
دراستان كتبت فصولهما مَا بَيْنَ تونس وبغداد، قاسمهما المشترك مثابرة السَماويّ يحيى وَحبه وطنه وَحضوره فِي وجدانِ المتلقي، هو أحدث مَا اطلعت عَلَيه عَنْ تجربته الشعرية، أولهما دراسة الكاتب وَالباحث التونسي د. محسن العوني الموسومة «الوطن منشوداً وموجوداً في شعر يحيى السماوي»، وَالَّتِي بدأها بمقدمةٍ عَنْ ثلاثيةِ الوطن، الإنسان والحلم قائلاً «الوطن بلا إنسان لا يعدو أن يكون قطعة أرض تحت سماء، أو دُونَمَا سماء؛ ذلك أنّ العلاقة والحميميّة والذاكرة هي التي تصنع الوطن وتنشئ الارتباط، إذا انقطع الحلم وَقَعْنَا في العَدَم، والإنسان مدعو إلى أن يبقى طول حياته وحتى آخر لحظة بحالة حُلْمٍ أو على قيد الحلم. الحُلْمُ هو الحقيقة التي ستأتي، إن لم يكن هنا فَهُنَاكَ، وإن لم يكن في هذه ففي تلك. أَحْلاَمٌ تَتَحَققُ وأُّخرى تسقطُ وتُسْتبدل بغيرها، ويبقى الحُلْمُ». ولأجلِ تفصيل غاية بحثه بحدودِ مشكلة البحث ينتقل العوني إلى الغوص فِي تجربةِ السَماوي الشعرية، وَالَّتِي نقتطف مِنها النص التالي «المدوّنة الشّعريّة للشاعر العربي الكبير يحيى السّماوي تُؤكّد هذا التوجّه وتُزكّي هذه القراءة، فقد ظلّ الوطن لديه حُلْمًا ماثِلاً في مخيّلته أكثر مِمَّا هو حقيقة على الأرض وواقعا، صرْخَتُهُ المُدويُّة المُوجعَة في قصيدته ـ لا تذبحوا حبيبنا العراق ـ لا تُفهَمُ إلّا على هذا الأساس، العراق مَنْشُودا ومَأمُولاً، العراق الحلم.. لا العراق الواقع». وَيسجل العوني فِي ثنايا دراسته مَا يساهم فِي توضيحِ ثيمة البحث بالاستناد إلى أدلةٍ واضحة، مستعيناً بمنتخباتٍ مِنْ أبجدية السَماويّ يحيى حيال بعض مَا مضى مِنْ وقائع، وَالَّذِي اخترنا مِنه قوله «إنّ الدارسَ لأعمال الشّاعر يحيى السماوي لا بدّ وأن يتوقف عند ظاهرة لافتة وهي كثرة الدّواوين التي خصّ بها وطنه العراق بشكل مباشر، بقطع النظر عن الجوائز التي استحقها الشاعر بجدارة لقاء بعض أعماله الشعريّة، فإنّ جائزته الحقيقيّة الكبرى وتتويجه هي إقبال القرّاء والباحثين والدّارسين على أعماله وهذا الاحتفاء الذي يقابل به حيثما حلّ والحالة الوجدانيّة التي أنشأها وجعلت القلوب والعقول والعيون تتوجّه نحو العراق وتتعاطف معه بفعل الحبّ الذي زرعته نُصُوصه وحوّلته إلى رمز من رموز بلاد الرافدين تماما كالنّخل والجنائن المعلّقة». وقد ختم الباحث مبحثه الأول بحسبِ منهجية البحث المعتادة بعبارة بليغة وَمعبرة، يقول فِيها «شعر يحيى السماوي قلادة على صدر العراق، لم تصنعها أكبر دور المجوهرات في العالم، ولا يمكنها أن تفعل؛ إنّها قلادة حبّ وجمال وولاء وفداء.. وهنيئاً للعراق». أما الأخرى، فهي دراسة نقدية عَنْ ديوانِ السَماويّ يحيى «حديقة من زهور الكلمات» الَّتِي كتبها الناقد العراقي احمد فاضل وَوسمها بـ»جولة في حديقة شاعر». وقد تطرقت هذه الدراسة إلى جملةٍ مِن السماتِ الَّتِي أسهمت فِي تشكيلِ خصوصية تجربة السَماويّ الشعرية باستعراض العديد مِنْ الموضوعاتِ الَّتِي نذكر مِنها هُنَا ثلاثة إضاءات، أولها اهتمامه بالموروث الشعبي الَّذِي يشير إليه فاضل بالقول «السَماويّ بشهادة جمهرة واسعة من النقاد، يعدّ الأكثر ثراءاً في توظيف الفولكلور الشعبي باستخدامه لأبجدية حروفه الأقرب للمتلقي من حيث التأثير، ساعدته في ذلك سعة اطلاعه على مراجع أدبية كثيرة بحكم دراسته في الجامعة وقراءاته العديدة للملاحم الشعرية العربية والفارسية القديمة». وثانيها أنَّ السَماويَّ يُعَدّ أكثر شعراء عصره المحدثين إنجازاً وأكثرهم قراءة، وكما يقول فاضل «لم تخلُ نصوصه من العاطفة والوجدان، الأسطورة والرمز، الظواهر الحياتية والدين، والثيوصوفي المتصل بأحوال الصوفية، فممارساته العديدة في كتابة نص مبتكر جعلت من قصائده تعيش أجواءاً متحركة غير جامدة»، فِيما يشكل السهل الممتنع ثالث أغراض الدراسة، حيث يشير فاضل إلى ذلك بالقول «السَماويّ يدرك المعاني الممكنة لكلمات قصائده فيضع لها قواعدها لتأخذ أبعاداً حقيقية ممزوجة بخيالية سحرية ورمزية غير معقدة».
ماذا أريـدُ؟ سَـلي نـمـيـرَكِ مـا الذي
يـرجـوهُ عـشـبٌ لا يـطـيـقُ سَـعـيــرا
وسَـلي قطوفـكِ صبحَ وجهِـكِ واسألي
لــيـلاً يـتـيـمَ الـنـجـمِ شَــلَّ بـصـيـرا
يـعـدو وراءَ هـديـلِ صـوتِـكِ حـامـلاً
قـلــبــاً بــريءَ الـعــنــفــوانِ غــريـرا
أمْـسَــكـتِ عـنـهُ قـرنـفــلاً وربـابـةً
ورغــيـفَ صـحـنِ مـودَّةٍ ونــمــيـرا
لا تـحـرمـيـنـي لــذّةَ الـمـوتِ الـذي
أحـيـا بـهِ فـي الـعـاشـقــيـنَ دهـورا
لو تعلميـنَ بـمـا كـتـمتُ عـذَرتِـنـي
وغـدوتِ ليْ في اللائـمـيـنَ عـذيـرا



