تمدين القبيلة في الدولة العصرية
علي عبد سلمان
في سياق مقاربة تتلمس طبيعة العلاقة بين القبيلة كناظم اجتماعي، وبين الدولة كنظام وبنية عصرية للمجتمع، فإنه إذا كان من المفترض أن يتقلص نفوذ العشيرة لصالح سلطة الدولة، وأن يتحول الفرد الارتهان القبلي والمناطقي الضيق، إلى الشعور بالانتماء إلى كيان جامع، يحقق في كنفه المواطنة ، فإن الواقع إلى حد الآن يشير إلى عكس ذلك. فبعد مضي قرابة قرن من عمر الدولة الوطنية، مازالت القبيلة تشكل ظاهرة، ومازال العراقيون يتشبثون بها لاضطلاعها بأدوار مهمة في حياتهم بالتكافل الاجتماعي وإصلاح ذات البين، ومعالجة مشكلاتهم، وأصبحت سلطة شرعية في المنظور والثقافة الاجتماعية، في ظل تراجع سلطة الدولة. مما يعني أن أغلبية مهمة من السكان، لا ترى أنها معنية بشؤون الدولة، ولا تحس بروابط ضرورية معها، بل إن الدولة في نظرها ليست إلا استنساخا باهتاً للإحتلالات السابقة، ووسائلها السلطوية من جباة الضرائب والغرامات، وأوامر التجنيد الإجباري، وهكذا تكرست القطيعة…وفي مرحلة تأسيس الدولة لم يكن سهلاً أن يقتنع السكان بالانصياع لنظام الدولة، وظلوا ينظرون الى ذلك بمنظار الشك، وهذا أمر طبيعي في المجتمعات العشائرية المعروفة بعنادها واعتمادها في تسيير أمورها على الرؤساء التقليديين..وهذا كان نتيجة لعوامل تاريخية ومجتمعية أدت إلى تكريس عدم ارتباط المجتمع، بالمتغيرات الجديدة، مما حال دون توفر الشرعية الاجتماعية للدولة. في عصر ما قبل الدولة كان الأفراد يلجأون الى قبائلهم لإستحصال حقوقهم، وكانت القوة هي خيار استرجاع تلك الحقوق..ولذلك ساد مفهوم قوة الفرد من قوة قبيلته، وبتنا نسمع أن هذه القبيلة قوية، وتلك القبيلة ليست كذلك..وبتغير أنماط الإنتاج، وتأسيس مفهوم الدولة، تراجعت سلطة القبيلة وانحصرت في العلاقات الاجتماعية، وأنحسر دور رؤساء القبائل، وتراجع تأثيرهم في الحياة السياسية، وأقتصر في أغلب الأحيان على الوجاهة والمراسمية..في الدولة العصرية حل مفهوم المواطنة محل الهويات الأخرى، ومع بقاء تأثير هويات الدين والطائفة والقومية، لكن الاستمرار في ترسيخ بناء الدولة سيؤدي الى انحسار هذه الهويات..حيث يحمل الجميع صفة المواطنة، متساوين في الحقوق والواجبات، يلجأون إلى القانون والدولة لحل نزاعاتهم وإستحصال حقوقهم..إن رؤساء القبائل شخصيات مهمة، لأنهم يترأسون وحدة اجتماعية قائمة على علاقة الدم، تحصر الارتباط العشائري في حدود ضيقة، ولا تتوفر على برامج غير البرنامج التكافلي المتوارث، صحيح أن القبائل كان لها دور في الحياة السياسية في العراق، لكن هذا الدور كان يتعلق بالزراعة والرعي، وكان للقبيلة موطن تمارس فيه نمط إنتاجها هذا، مما يتطلب حماية هذا الموطن من تعديات الغير في ظل ضعف الدولة، ولذلك كانت السلطة للقبيلة على أبنائها..إن أفضل وسيلة لجعل نظام القبيلة منسجما مع حركة التاريخ، ليس بزجها في العمل السياسي من أجل تحقيق غايات وأهداف سياسية، مما يخلق مشاكل بين أبناء القبيلة الواحدة، وجعلها موضوعاً خلافياً يخضع للمصالح السياسية المتغيرة، بل في أن تتحول القبيلة الى مظلة اجتماعية، بتنمية وابتكار أساليب عصرية قائمة على العقلانية، لا على ما يسود اليوم من مظاهر البذخ الذي لجأ إليه زعماء القبائل لتعويض فاقد السلطة لديهم، ومجالس العزاء وما تنفق فيها من أموال لإعداد الولائم الباذخة صورة سيئة للوجاهة القبائلية، ويفترض بزعماء القبائل مراجعة هذا المسلك بوسائل أكثر عقلانية وفائدة.



