الحاجة إلى قائد صانع القادة !
كي نعرف القصة الكاملة لأي حدث؛ يفترض بمن يقصُّها علينا، أن ينقلها لنا بلغة تصويرية، قابلة لأن تتقبلها عقولنا على أنها صورة، والصورة المنقولة يجب أن تكون حيَّة متحركة، ملتقطة من زوايا متعددة، تماما كما يفعل المخرجون السينمائيون، عندما يستخدمون كمحترفين، عدة كاميرات تصوير، ترصد المشهد من زوايا متعددة، لتقدم للمشاهد بعد تجميع الصور، صورة لحدث يتعامل معه، وكأنه قد جرى على أرض الواقع توا!
المخرجون السينمائيون، يبدأون مشاهد أفلامهم عادة، بلقطة بانورامية واسعة، لموقع الحدث، مدينة، محطة قطار، مطار، بحر، ساحة قتال، ثم ينتقلون الى مشاهد مقربة للحدث، تزداد قربا كلما أوغلوا في التفاصيل، لتصل الى تصوير رمش يرف هلعا، أو شفة ترتجف خوفا، أو حبات عرق تتساقط عن جبين منهك..
في معظم الأحوال؛ فإن المشاهد يتفاعل مع الصورة وينغمس فيها، الى حد يرى فيه نفسه جزءا من المشهد، فيتوقع ما يحصل لاحقا بدرجة كبيرة.
في مشهدنا السينماسياسي العراقي، فشل الساسة المخرجون، في تقديم صورة بانورامية عما حدث، وبالنتيجة فشلنا نحن كمواطنين؛ بفهم ما يحدث، مع أننا نمثل عناصر المشهد!
الساسة العراقيون؛ لم يفشلوا فقط في تقديم تلك الصورة، فكان أن قدموا لنا صورة مشوشة تماما، عما يحدث في المشهد التالي، ليس بسبب عدم إحترافيتهم فحسب، بل لأنهم تعمدوا أن يقلبوا الحقائق بطريقة فجة!
ذلك يحدث لندرة من يمكنهم التعاطي مع السياسة بإحترافية، لذلك ساد المشهدَ هرجٌ ومرج، بسبب كثرة هواة التصوير السياسي، المنضوين تحت أجنحة التيارات السياسية المختلفة!
هؤلاء الهواة؛ ولأنهم أنانيون يعشقون أنفسهم، يركزون على تصوير ذواتهم بلقطات مقربة جدا، مركزين على ما لديهم من حسنات، غاضين الطرف؛ عن ما حولهم من مساوئ وعورات، ظنا منهم أن هذا ما يسوقهم، ويقدمهم الى العراقيين على أنهم عباقرة أفذاذ!
هنا يثار السؤال الملح؛ ما نوع القائد الذي يحتاجه العراق؟!
الحقيقة أن العراق لا يحتاج إلى قائد، يشبه مقدم برنامج تلفزيوني لبقاً، يجيد ترتيب الجمل، يبرع في اللغة وقواعدها؛ أكثر من السياسة وحنكتها، ولا الى من يتفرد برأيه، يبحث عن سلطة، اقرب إلى الخيال لما هو في الحقيقة، ولا لمن يصطنع البطولة، ويتباهى بشعر أخيه، ولا إلى قائد مشرد الذهن، يدار عقله كما يدار قفل الباب، متقلب الرأي، يقبل في الصباح ويرفض في المساء، كلامه ساذج حد «العبط» أحيانا، جاهل بالسياسة لا يعرف ماذا يريد، يشجب ويستنكر ويؤيد ويدافع لنفس الموضوع! العراق يبحث عن قائد ملهِم ملهَم، بكسر الهاء مرة وبفتحها مرة أخرى؛ يضع العراق بين أضلاعه، وليس في جيبه..قائد يجمع مكونات العراقيين؛ على المبادئ والقيم النبيلة على اختلافها..يستثمر الطاقات كلها، ليوصل الرجل المناسب الى المكان المناسب؛ فيصنع القادة بحرفية ضمن برامج مدروسة..يؤهل ويبني ويؤسس لقاعدة جماهيرية قوية، صاحبة مبادئ وقيم، يستمد شرعيته منها..يبحث عن النقاط المشتركة دوما..برامجه تصبح مدرسة تدرس بها الأجيال فن قيادة الشعوب.
القائد الذي يحتاجه العراق؛ ليس بالضرورة أن يكون رئيسا للوزارة، بل يكفي كونه الراعي الرسمي لها!
كلام قبل السلام: «القائد» الذي لا يمتلك أمس، لا يمكنه توظيف اليوم من أجل الغد، حتى إذا تحدث عن الغد بلا توقف!
سلام..
قاسم العجرش



