الديمقراطية عقرب تأكل نفسها !
لقرون طويلة َتعودَ العراق, كبلد انتج مفهوما للحضارات, واكتنز على فكر سياسي قديم, شرح فيه مفاهيم الحكم والدولة وسن القوانين؛ على التعامل أساس مع نموذج للحكم الفردي (الملكي العادل, أو الطغياني المستبد)؛ إلا أن تجربتنا السياسية بُعيدَ عام 2003، التي إعتقدنا أنها تقوم على الديمقراطية, كانت قد أخذت من الديمقراطية إسمها، وتركت رسمها!
التجربة الديمقراطية دخلت إلى العراق على حين غرة، إذ لم تكن لدينا مقدماتها الصحيحة،كما ان محاولة المصدرين لها, تطبيقها وفقا لمقاساتهم وأجنداتهم, مع عدم الأخذ بنظر الاعتبار تكويننا المجتمعي,أو الإلتفات الى عمر الوعي السياسي للشعب العراقي, ومقدار ما حاز عليه من تنشئة سياسية؛ أوقع هذه التجربة بمطبات كبيرة, نحصد الآن وبعد ستة عشر عاما خيباتها.
ثمة حقيقة مهمة في هذا الصدد، وهي أن الشعب العراقي؛ شعب يمتاز بحراك إجتماعي صاخب، وأن التواصل الإجتماعي بين أفراده على أشده، و يكاد يكون مفهوم التواصل الاجتماعي عند أبنائه ومكوناته, من أهم عناصر الحياة والوجود.
عملية التواصل الاجتماعي أصبحت في هذا البلد كآلية لتقييم المواقف, وتناقل المعلومات, وتحليلها وتصنيفها وتبويبها, ومعرفة الأشخاص, وتقييمهم, ومعرفة التأريخ وأحداثه, ونقل الحكم والقصص والطرائف, وإجراء الصفقات, وشراء الولاءات, وبيع الوظائف والمهن التي تحتاج إلى تخصصات؛ بل وتجاوز ذلك كله, إذ أصبح التواصل الاجتماعي الإليكتروني، هو الوسيلة النشطى لبناء المواقف السياسية، بصرف النظر عن المصداقية، ودون الإلتفات الى الأهداف الخفية، لما ينشر في مواقع التواصل الأجتماعي.
إذا جمعنا بين طرفي المعادلة: وجود الممارسة الديمقراطية؛ المؤمنة بحرية الإعلام, وفتح الأبواب واسعة للإعلام, مع وجود أدوات قوية جدا ومتخصصة ومحترفة, في التواصل الاجتماعي ألمعلوماتي, لوجدنا انبثاق ظاهرة غريبة, عملت على تقويض مفهوم الديمقراطية السياسية من الداخل, وهي الحرية الإعلامية المفرطة.
الحرية الإعلامية المفرطة باتت ظاهرة، تقاد بالغالب من قوى منظمة لها أغراض محددة, سواءاً كانت تابعة لقوى داخل البلد, أم قوى من خارجه, وعمدت تلك القوى؛ على توظيف جو الحرية العام والمفتوح لها, لتمرير مشاريعها الخاصة، التي تهدف الى غسل عقول الجمهور, وتوجيهه نحو أهدافها، سالكة كل السبل المتاحة إليكترونيا، ومن بينها الكذب والتدليس والخداع والغش، والتسقيط الأخلاقي للأفراد والجماعات.
الإعلام الأليكتروني بفسحة الحرية اللا محدودة، بات أداة من أدوات تخريب الديمقراطية من الداخل, فعدم انتشار المعلومات الصحيحة, وكثرة الكذب والتضليل, قاد البلد إلى الكثير من الأخطاء والمشاكل, ساعد على ذلك كله, طبيعة المجتمع العراقي التواصلية, التي مكنت الإعلام الإليكتروني السياسي، الذي يتحرك من خلال أجندات وعوامل دعم داخلية وخارجية, من توظيف أدوات التواصل الاجتماعية هذه, وشراء ذمم المتمكنين فيها, والنجاح بتحريك خيارات الناس و ولاءاتهم, في عملية ظاهرها الديمقراطية وباطنها تخريبي، يهدف الى صناعة نموذج سياسي، لا يمتُّ لنا ولثقافتنا وتاريخنا وقيمنا بصلة.
كلام قبل السلام: الديمقراطية بدأت تتآكل هنا في العراق، وهي تؤكل بأدواتها التي تؤمن بها, وباتت عوامل انهيارها وتشظيها متحققة بشكل واضح وخطير..!
سلام..
قاسم العجرش



