الإيمان مراتب مؤدية الى اليقين

ذكر الإيمان في القرآن الكريم في مواطن عدة منها: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ”آل عمران:191،”كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِين”التكاثر:5 ـ 7،”إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ”الواقعة:95.
والإيمان: هو الاعتقاد،وسكون النفس وتصديق القلب،وكلّ من كان عارفاً بالله وبنبيّه وبكلّ ما أوجب الله عليه معرفته مقرّاً بذلك فهو مؤمن، والكفر نقيض ذلك.
ولكن هذه الحالة الإيمانيّة تتفاوت بين الناس وتختلف على مراتب، فمنهم من بلغ أعلى المراتب وهي اليقين، كرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام). يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):”لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً”، ومنهم من هو دون ذلك كما أشار إليه تعالى في كتابه:”وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ”.
وكلّما قوى واشتدّ إيمان الإنسان استطاع أن يسلك طريق الهدى ويصل إلى السعادة بشكل أسهل وأسلم، وإذا ضعف الإيمان كان احتمال تعرّضه للسقوط أكثر وأخطر. لذلك نجد الشريعة الإسلاميّة المطهّرة قد حثّت على العلم والمعرفة ودعت إلى التفكّر في خلق الله تعالى، ليزداد الإنسان إيماناً ويقوى اعتقاده،ممّا يدعوه إلى التقوى والصلاح.فعلى الإنسان المؤمن أن يُحاول جهده أن يصعد في الدرجات ولا يكتفي بدرجات الاعتقاد الأوّليّة.فامتحانات وابتلاءات الدنيا كثيرة، كلّما كان الإنسان قويّ اليقين كلّما خرج منها بنجاح.
وعلى سبيل المثال؛النبيُّ إبراهيم (عليه السلام) طلب المزيد من درجات الإيمان، كما قال القرآن الكريم:”وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” ، “وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ”.
وفي الحديث عن صفوان، سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول الله لإبراهيم:”أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي” أكان في قلبه شكّ؟،قال (عليه السلام): “لا كان على يقين ولكنّه أراد من الله الزيادة في يقينه”.ولقد حذّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمّته من ضعف اليقين، فقال:”ما أخاف على أمّتي إلّا ضعف اليقين”.
مراتب اليقين
ليس اليقين على مرتبة واحدة، بل له مراتب عدّة هي :علم اليقين، عين اليقين،حقّ اليقين.
كما أشير إليها في هذه الآيات:”كَلاَ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ،لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ،ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ”،”إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ”.
وكمثال لتوضيح الفرق بين هذه المراتب نقول: لو رأينا دخاناً يتصاعد يحصل لنا اليقين بوجود النار. وعين اليقين: يحصل عند رؤية النار نفسها، وحقّ اليقين: يحصل عند الاحتراق بتلك النار.
بين اليقين العقلي والقلبي
تجدر الإشارة إلى أمر مهمّ وهو لماذا نرى أناساً يقولون إنّنا موقنون بالله والآخرة، ولكنّ في نفس الوقت نراهم ضعفاء في عملهم والتزامهم بأوامر الله ونواهيه؟.الجواب: إنّ هناك فرقاً بين اليقين القلبي والعقلي، فهذا إبليس كان موقناً بالله عقلاً ولكن لم يترسّخ يقينه في قلبه.
يقول الإمام الخمينيّ (قدس سره):”إنّ الاعتقاد والعلم مغايران للإيمان، فالعلم بالله وأسمائه وصفاته وسائر المعارف الإلهيّة الّذي يوجد فينا، مغاير للإيمان وليس بإيمان. والدليل على ذلك أنّ الشيطان كما تشهد له الذّات المقدّسة عالم بالمبدأ والمعاد ومع ذلك فهو كافر، لأنّه يقول:”خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ” فهو إذن يعترف بالحقّ تعالى وخالقيّته،ويقول أيضاً:”أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ” ، فيعتقد بالمعاد، وهو كذلك عالم بالكتب والرسل والملائكة، ومع ذلك كلّه خاطبه الله سبحانه بلفظ الكافر، وأخرجه من زمرة المؤمنين”.
فالمطلوب أن ينزل العلم واليقين العقلي إلى منطقة القلب حتّى يؤثّر أثره في نفس وقلب وسلوك الإنسان.وقد فرّق بعض العلماء بين الإيمان العقلي والقلبي بمثال معبِّر، حيث مثّلوا لذلك بالإنسان الّذي ينام مع ميّت في غرفة وحدهما، فقالوا: إنّ الإنسان يعلم يقيناً أنّ الميّت لا يؤذي، ولكن يخاف أن ينام معه منفرداّ، وما ذلك إلّا لأنّ اليقين العقلي بعدم أذيّة الميّت له، لم ينزل إلى القلب.
أهميّة اليقين وثمراته
ـ اليقين و الدين
الأحاديث كثيرة في أهميّة اليقين وثمراته، نذكر بعضها: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إنّ الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كلّه”.وعن أمير المؤمنين (عليه السلام):”اليقين رأس الدِّين”.وعنه (عليه السلام) أيضاً: “اليقين عماد الدِّين”.
ـ قوّة العمل
قال لقمان الحكيم لابنه:”يا بُنيّ، العمل لا يُستطاع إلّا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعُف عمله”.
ـ شرط العبادة
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):”لا عمل إلّا بنيّة، ولا عبادة إلّا بيقين”.
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام):”باليقين تتمّ العبادة”.
ـ إنكار المنكر (الجهاد)
عن الإمام عليّ عليه السلام: “.. ومن أنكر (المنكر) بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلى،ذلك الّذي أصاب سبيل الهدى،وقام على الطريقة ونوّر في قلبه اليقين”.
ـ اليقين قوّة للقلب
جاء في وصية أمير المؤمنين للإمام الحسن(عليهما السلام):”أحي قلبك بالموعظة،وأمته بالزهادة،وقوّه باليقين”.
ـ سعادة
عن الإمام عليّ عليه السلام: “ما أعظم سعادة من بوشر قلبه ببَرْدِ اليقين!!”.
ـ الصبر
عن لقمان الحكيم: “الصبر عند مسّ المكاره من حسن اليقين”.
ـ الإخلاص
عن الإمام عليّ (عليه السلام): “إخلاص العلم من قوّة الإيمان”.
ـ الزهد:
عن الإمام عليّ (عليه السلام): “اليقين يتمّ الزهد”.
ـ التوكلّ والرضا:
عن الإمام عليّ (عليه السلام):”التوكلّ من قوّة اليقين”.
وعنه عليه السلام:”بالرضا بقضاء الله يُستدل على حسن اليقين”.
ـ الهداية
وعن الإمام عليّ (عليه السلام):”هُديَ من دَرَعَ لباس الصبر واليقين”.
ونُلاحظ في كلّ هذه الأحاديث عندما يُطلق اليقين وتترتّب عليه هذه الآثار الجليلة، فإنّ المراد منه هو اليقين الّذي امتزج مع القلب.وهو اليقين الممدوح والمطلوب،نعم اليقين العقلي مقدّمة لهذا اليقين ومساعد على تحقّقه.
كيف نُحصِّل اليقين؟
بعد أن ذكرنا هذه الثمار المهمّة لليقين،وعرفنا ما يترتّب عليه،وأدركنا أهميّته،نسأل كيف يُمكن تحصيله؟،
والجواب:يُمكن تحصيل اليقين من خلال أمور:
ـ إصلاح النفس
عن الإمام الكاظم (عليه السلام):”تعاهدوا عباد الله بإصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقيناً،وتربحوا نفيساً ثميناً”.فإصلاح النفس وجهادها والتفكّر بما فيها من صفات حميدة أو رذيلة مذمومة يُساعد كثيراً على معرفة الهدى والرشاد، وبالتوكّل على الله ينزل هذا اليقين إلى قلبه.
ـ التفكّر والتأمّل
عن أمير المؤمنين(عليه السلام):”الإيمان على أربع دعائم:على الصبر واليقين والعدل والجهاد.. واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة،وتأوّل الحكمة،وموعظة العبرة،وسنّة الأوّلين.. “.
ما يُضعِف اليقين
وأمّا الأمور الّتي تؤثّر سلباً في اليقين وقد تؤدّي إلى زواله فأهمّها:
ـ غلبة الهوى والشهوات
عن أمير المؤمنين(عليه السلام):”يُفسد اليقين الشكّ وغلبة الهوى”.
ـ الحرص:
وعنه (عليه السلام)أيضاً:”من كثر حرصه قلّ يقينه”،”الحرص يُفسد الإيقان”.
ـ الصحبة الفاسدة:
يقول أمير المؤمنين(عليه السلام):”خلطة أبناء الدنيا تشين الدِّين وتُضعف اليقين”.
كلمة أخيرة
إذا رجعنا إلى أنفسنا عرفنا جيّداً، مدى خطورة الشكّ على النفس الإنسانيّة، حتّى في الأمور الدنيويّة؛ الشكّ صعبٌ على النفس، فكيف بالأمور المصيريّة، الّتي تؤدّي بنا إمّا إلى جنّة أو إلى نار؟.
إن لم نقوِّ يقيننا وإيماننا بالمبدأ والمعاد، فستكون حياتنا صعبة قلقة مضطّربة، وآخرتنا أمرّ وأدهى.
فلنحذُ حذو النبيّ إبراهيم (عليه السلام) الّذي طلب من الله زيادة الاطمئنان،أو حذو الإمام عليّ (عليه السلام) الّذي روي عنه: “لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً”.




