من قيم النهضة .. الادخار ومواجهة الأزمة الاقتصادية

محمد علي جواد تقي
عندما نتابع أحوال وأخبار الدول المتقدمة اقتصادياً، وما توفره للمواطن من رخاء ونعيم واستقرار في الوضع المعيشي، مع تطلعات مستمرة نحو النمو في مجالات شتّى، علينا الالتفات على الجذور وعوامل هذا النمو، وهل إنها تعود كلها الى الاجراءات الحكومية والخطط والنظريات الاقتصادية، وأن كل شيء جاء جاهزاً على طبق من ذهب أمام المواطن في كوريا الجنوبية أو الصين – مثلاً-؟. صحيح؛ هنالك عوامل عديدة ذات دخل مباشر في نمو وتطور أي بلد، مثل العقول المبدعة واليد العاملة غير المكلفة والمواد الأولية الى جانب التخطيط والبرمجة، بيد أن طريقة حياة الانسان هناك، هي الأخرى تعد من العوامل الرئيسة في النمو، لذا كان التوازن الدقيق بين الاستهلاك والانتاج، وأحيانا تفضيل الانتاج على الاستهلاك في البلدان المصنفة بـ»النامية» مثل الهند والصين وكوريا الجنوبية، لحاجتها الى العملة الصعبة وافتقارها الى الثروة النفطية، وذلك من خلال فكرة الادخار وزجّ النقود في عجلة الانتاج. وما نبحث عنه في خضم هذه التجربة الحضارية التي يشهدها العالم منذ عقود طوال من الزمن، هو مفتاح الدخول الى هذه التجربة على أمل الخروج من الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها بلادنا ومنها العراق، حيث يتجه يوماً بعد آخر نحو الافلاس، بعد أن انتابه شعور مخيف بفقدان السيولة النقدية على خلفية انخفاض أسعار النفط، وأنه لن يكون ذلك البلد الثري الذي يتلاعب بالأموال كيفما شاء… مع علمنا بأن المفترض خوض التجربة قبل هذا بمدة طويلة، ربما من الايام الاولى من ظهور النظام السياسي الجديد عام 2003، مع ذلك، ربما بالإمكان انقاذ ما يمكن انقاذه. عندما يعرف الانسان في بلادنا أن مردوده المالي يأتيه كل بداية شهر، ويكون مجزياً – الى حد ما- لن يجد الحاجة الى الادخار أو الاستثمار ولا حتى التفكير بالمستقبل، وهذا ما اعتادت عليه بالتحديد الدول الغنية بالنفط والفقيرة في التخطيط الاقتصادي. فقد جعلت هذا النفط والثروات المعدنية بمنزلة مصدر الرزق، فيما تركت للدول المتقدمة وشركاتها الكبرى، الاستثمار في الحقول النفطية وفي مشاريع انتاجية وخدمية عديدة، فبقي المواطن العراقي وغيره، عبارة عن مستهلك للسلع المصنعة في الخارج، مع حركة بسيطة للإنتاج المحلي الذي يواجه دائماً صعوبات جمّة في منافسة المنتج الاجنبي. وهذا يجرنا الى الحديث عن السياسات الاقتصادية الخاطئة للأنظمة الحاكمة في بلادنا، وعدم تفكيرها في التنمية الاقتصادية، بل هي غضّت النظر عن جعل المواطن لديها يأكل من كدّ يده ويتجه نحو الانتاج والابداع، ومساعدته على زيادة دخله الخاص. فإذا نعرف السبب بالإمكان معالجة المشكلة بسهولة، بنشر ثقافة الادخار بين ابناء المجتمع من الصغير الى الكبير، لمواجهة أزمة السيولة المالية، والتقليل من شأن الراتب الشهري الذي يجري خلفه الناس. والمسألة – طبعاً- ليست بالسهلة، إذ هي بحاجة الى مراجعة شاملة لطريقة العيش والسلوك الفردي والتعامل مع الأشياء، فكل هذه وغيرها، تؤثر في طريقة التعامل مع المال. من هنا؛ نجد في معظم البلاد الغربية والمتقدمة، الادخار بمثابة الثقافة الاجتماعية الدارجة، من طالب المدرسة والموظف والعامل مروراً بأصحاب المتاجر وحتى المشاهير وكبار رجال الأعمال. كل هؤلاء ينظرون الى المال الذي بحوزتهم، كما لو انه كائن حيّ يجب التعامل معه بلطف واحترام، فبدلاً من ان يكون مكدساً في الخزانات ومجمداً، يجعلونه ضمن عجلة العمل والحياة والإنتاج. وقد عرّف بعض أهل الشأن «الادخار» بأنه الجزء من الدخل غير المخصص للاستهلاك والذي يودع عادة في حسابات بنكية جارية أو يستخدم على المدى القصير. والادخار هو أيضا حفظ السيولة لأغراض الاستخدام على المدى القصير، من قبيل مصاريف غير متوقعة، السفر، شراء الأثاث، وغيرها». ويميزون بينه وبين الاستثمار بأنه «الجزء من الدخل المستثمر على المدى الطويل ويتعلق عامة بالأصول التي يتم تقييم مداخيلها على المدى الطويل، مثل أملاك عقارية وأسهم وحصص الشركة، والهدف من الاستثمار هو تنمية وزيادة قيمة الادخار لتحقيق أهداف على المدى الطويل، مثل التقاعد وتعليم الأطفال وشراء المسكن وغيرها. لذا يفهم الانسان في هذه الدول بأنه عندما يدخر أمواله بهذه الطريقة، فانه يكون بإمكانه التمتع بسيولة نقدية وقتما شاء، دون ان تفقد أمواله قيمتها. وفي الوقت نفسه فانه يحقق العديد من أهدافه بهذا الادخار لمواجهة حالات الطوارئ في الحياة أو حتى التفكير بالدخول في مشاريع استثمارية صغيرة أو كبيرة في المستقبل. ربما يستغرب البعض – لاسيما في بلادنا- الدعوة الى استقطاع جزء من المرتب الشهري أو ما يحصلون عليهم من العمل والتجارة لغرض الادخار، لأن الشائع، توزيع المال على الاحتياجات الاساسية للبيت والأسرة وحتى الامور الشخصية، وما يتبقى يُدفع الى الادخار، وهي الطريقة الخاطئة التي يعمل الغربيون بعكسها تماماً، حيث ينصحون بأن تكون الاولوية للادخار باقتطاع نسبة معينة، حسب الظروف وطريقة العيش، والباقي هو الذي يكون مخصصاً للنفقات اليومية. وهذا يفند التصور الشائع بأن الأثرياء يتجولون وينفقون أموالهم طوال الوقت، بينما الحقيقة بعكس ذلك، فهم يفكرون قبل أي شيء بالادخار، ولذا نجدهم أثرياء دائماً. لنأخذ كلمة من وارين بوفيه، رجل الاعمال الامريكي وثالث أغنى رجل في العالم لعام 2014، يقول: «لا تدخر الباقي بعد الإنفاق، ولكن انفق الباقي بعد الادخار.



