النسخة الرقميةثقافية

قراءة في المجموعة المسرحية «قالت لي العرافة» للدكتورة إيمان الكبيسي

عبد الكريم عيسى

على الرغم من ان النصوص الخمسة في كتاب (قالت لي العرافة) المتمثلة في (رياح شرقية) و(قالت لي العرافة) و(تويتر نسائي) و(الرجل الذي عاد يرفض او شيك بدون رصيد) و(اترانزيت) توفرت على سمة الاستمرار في إعمال ذهنية التلقي لمختلف الأزمنة والأماكن، فيما يتحاور ويتفاعل مع البيئة السوسيو ثقافية العراقية، ولا سيما الأوضاع البيئية العراقية لما قبل التغيير عام 2003، وما تعرض له الفرد العراقي من هيمنة مظاهر الاستبداد والاستلاب السياسي والاجتماعي والاقتصادي وسطوة التسلط والقمع وشتى أنواع الانتهاكات النفسية والجسدية وتفشي ظواهر الفساد والحرمان. وفي نفس الوقت تتصدى الى ما تتعرض له المرأة من استلاب وظلم ومصادرة لأبسط حقوقها الإنسانية. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، تكتنز نصوصها المتوالية من الجمل الثقافية الحافلة بالمضمرات النسقية وميكانزمات الضبط والتحكم, على حد تعبير (غريتس) في وصف الأنساق الثقافية كاشفة عن سر النصوص ومضمراتها النسقية وعلاماتها الثقافية المشاكسة لأوضاع ومهيمنات البيئة السوسيو ثقافية العراقية لما بعد التغيير مهما كانت مشابهة او مغايرة بطرق او بأخرى لسابقاتها في بيئة ما قبل التغيير. لذا لم تعُدْ هذه النصوص آنية متعرضة للإنطفاء والزوال بمجرد انتهاء الأوضاع السوسيوثقافية والنفسية والسياسية للحاضنة التي حفزت عوامل انطلاق إنتاجها بل توفّرت لغة النصوص الى جانب خصائصها البلاغية و النفسية والجمالية على رؤى معمقة في المحاكات والتفاعل وشبكة دلالية واسعة من المضمرات اللغوية ومناطق الفراغ التي تجعل منها تتصدى لشحن ذهنية التلقي في بيآت متنوعة زمكانيا. أي تمتلك صيرورة وحضور ومشاكسة ومساءلة ومحاورة لبيآت مختلفة متغيراتها الزمكانية.
يتجسد ذلك بالتبادلية التأثيرية بين الحضور الفاعل للنص المسرحي (الدراما) ووجود العمل الأدبي وعدم اختزال احدهما للآخر. وقد توفرت نصوص هذه المجموعة على مديات مهمة وموفقة في تسويق إستراتيجيات العمل الفني من خلال تحايث وإعمال وتحفيز الرؤى الإخراجية وإدامة سلسلة التحفيزات لتنشيط أدوار الممثلين وكذلك التدخل في تفعيل وتنظيم آليات وأنساق العرض المسرحي، وإدامة يقظة واعية لمعطيات جماليات المكان في العرض المسرحي. فالنص الأدبي المكتوب للقراءة لدى المؤلفة المخرجة الدكتورة إيمان الكبيسي لا يختزل النص الدرامي بل يبث فيه الروح ويحفز ويثري إنتاجه الدلالي, وتنوير مناطق عتمته، وشحن ممكناته الأدائية، الفنية والجمالية.
وتمتلك الكاتبة قدرات موفقة في استعمالات اللغة لغايات اتصالية، فضلا عن المهارات العالية في إنشاء الألفاظ الملائمة لسياقاتها، وفهمها الدينامي للأدوات الاجتماعية والانساق السيميائية غير اللسانية. وتحمل لغة نصوص المجموعة رغبات وتمنيات وافتراضات ومعتقدات وتخيلات وما شابه من تنوع اثرائي في محمولاتها، مما يجعل النص الدرامي يتشكل في عمل ادبي تام ويتوجّه للقراءة بالمقدار الذي يتوجّه فيه للإخراج والتمثيل. كما اتسمت النصوص بشكل عام بخاصية التمرحل الهادئ في انتقالاتها وتنوع طبقاتها وتتابعاتها السردية المضمرة للمكافآت الانفعالية الداخلية وهي تتوجّه نحو الذروة (climax) والحل بطريقة غير مباشرة تنأى بلغتها عن الوقوع في الخطابية والتقريرية باستثناء بعض الموارد التي اتسمت بذلك. وعلى الرغم من توظيفها لآلية المحاورة بين اللغة الفصحى واللغة المحكية الدارجة غير موفق في مواضع معينة في الحوار المسرحي، بيدَ انه موفق جدا ويساعد بشكل ملحوظ في التصعيد الدرامي في مواضع أخرى، ويشحن الحوار بعنصر الإثارة ويتدخل باتساق وانسجام مع انسيابية حركة الحوار. فعلى سبيل المثال, عندما يقول مالك الذي يجسد شخصية المخادع والكاذب والطماع والذي ساهم في تنفيذ خطة تسميل عيون أهل القرية في نص مسرحية (رياح شرقية) المنتج فنيا وجماليا بتقانة اسطرة الواقع وما يستبطن من تداعيات واحباطات وعزلة وقمع واستبداد وانتهاكات لحقوق الإنسان وما شابه، يقول:
«انه عين الصواب، آآآه عفوا نسيت ان العين معطلة في قريتكم.
ترد (الجوقة): (تعني؟) عد وانه اعد ونشوف يا هو اكثر هموم, من عمري ست سنين للنظر محروم».
فنلاحظ هنا حضورا فاعلا في توظيف اللغة المحكية وهي تشاطر وتحاور الاداء الوظيفي للغة الفصحى. وكذلك في ص 24، المشهد الثاني من مسرحية (رياح شرقية) يقول فارس الذي يجسد شخصية الثائر المحب لوطنه:
«تعلمون اني سافرت مع والدتي الى بلاد بعيدة، تحملت من اجلي الكثير.
الجوقة: (تغني) دللول يالولد ابني دللول، عدوك قريب الراسك ينول».
استحضرت تنويمة الامهات في البيئة السوسيو ثقافية العراقية مع التحوير بنصها الاصلي والانزياح بها الى معنى مترابط ومتجانس مع نسيج النص المسرحي.
وفي ضوء ما تقدمه من الموجهات الاخراجية الوفيرة المحايثة والموازية للحوارات، تولي، ايضا، اهتماما كبيرا كمؤلفة مخرجة بايجاد التناسق لجميع عناصر العرض المسرحي وذلك بايجاد علاقة بين الممثل المتحرك والارضية الافقية والمنظر العمودي موحدة بينها جميعا، جاعلة منها تكمل بعضها بعضا.
وتعمل بدقة على تقسيم خشبة المسرح الى مستويات تساعد الممثل على ابتكار الحركة المناسبة. وتتدخل في إعداد عناصر الديكور والمناظر المختلفة لتصبح منسجمة مع افكارها لخلق تكوين مسرحية جيدة. وتتدخل ايضا كمؤلفة مخرجة في تصميم المناظر, فعلى سبيل المثال تقول في تقديم (المنظر المسرحي) الافتتاحي لمسرحية (قالت لي العرافة):
«المسرح مقسم الى ثلاث مناطق بقطع من القماش تنسدل من اعلى المسرح الى اسفله، المكان الاول في وسط المسرح منظر لصالة بيت بسيط تحتوي على كراسٍ خشبية قديمة… الى يمين المسرح مكان خالٍ من الأثاث الا من سلّم وانارة خضراء، وبعض القناديل..). الى جانب ذلك، تلعب دورا ملحوظا في تنشيط عنصر الاضاءة واللون في نقل مضامن النص المسرحي كتأليف ادبي. اضافة الى نجاحها في الاقتصاد المسرحي وتجنب الميكانيكية المعقدة في انتاج المناظر المسرحية، وتفعيل آلية جسد الممثل في التعبير. وكذلك للمؤثرات الصوتية والموسيقية دور مؤثر وفاعل في آليات اشتغالها وانشباكها مع بقية عناصر العرض المسرحي وترابطها عضويا، متموضعة ضمن الحقول الدلالية لأنساق وحزم العرض المسرحي. وعلى وجه العموم تعمل الدكتورة إيمان الكبيسي بطريقة موفقة جدا في خلق بيئة الشخوص المسرحية واثر هذه البيئة في نمو الأحداث المسرحية وتطورها. وعملت بنجاح على استثمار المواد الخام المتوفرة لديها وتوظيفها دلاليا لنقل جوهر النص الأدبي المسرحي. وتتسم موجهاتها الإخراجية لما تحمله من قدرات وممكنات موفقة في التعبير عن الحالة السائدة لجو المسرحية من خلال الاستخدام الأمثل للخطوط والكتل والأشكال والألوان، إضافة إلى الاستفادة من قطع الأثاث في خلق دلالات ورموز تخدم الفكرة الاساسية للعرض المسرحي وخلقها مناطق التمثيل المتنوعة التي تسهل عملية حركة الممثل برشاقة. وساهمت ايضا في توظيف الاستخدام الناجح للون ودوره في تأكيد التوازن والانتظام في شكل صور خشبة المسرح مع اهميته في التعبير عن الحالة النفسية والجو النفسي العام. وللإضاءة حضور فاعل في التفاصيل الإخراجية، فكان للاضاءة الخافتة والفيضية وبقع الضوء كالحمراء والصفراء والخضراء وما الى ذلك دور مؤثر في جلب انتباه المتلقي والمشاهد الى ادراك مضامين النص المسرحي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى