اخر الأخبارالنسخة الرقمية

«ما قلت وداعا أبداً».. العراقيون أيام حكم البعث المباد

سميرة المانع

صدرت كمية معتبرة من الكتب عن دور النشر ببريطانيا، في السنين الأخيرة، مكرّسة لما حصل بالعراق بعد الحرب الأميركية – البريطانية سنة 2003 ، لكنّها طالما غضت الطرف، مع وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان، بالماضي، عن الانتهاكات الجمة التي مورست على ابنائه فتركتهم تحت سطوة أقسى نظام لو وصفناه بنظام ديكتاتوري، كما تعودنا أن نصف أنظمة أخرى بالعالم كنظام فرانكو، مثلا، باسبانيا، نلاحظ أن هؤلاء ( الدكتاتوريين) عمروا بلدانهم في الأقل، ثم تركوها أبعد ما تكون عن الدمار والخراب، وجدوا لها مكانا لائقا في العالم لتتبوأه وتعلو في مصاف الدول المتقدمة.على أية حال، نترك المقارنة جانبا، لنجد شيئا مختلفا في كتاب صدر عن دار نشر (اندرية دوتج) Andre’Deutsch عام 2007 ، بعنوان (ما قلتُ وداعا أبداً) وفيه تتحدث إمرأة بريطانية، مؤلفة الكتاب (بولين نوليس ـ سامرائي) وكيف تزوجت من شاب عراقي نبيه ومتميز، بعد أن تعرفت عليه سنة 1957 اثناء دراسته ببريطانيا في الهندسة الكيمياوية اسمه منعم السامرائي مبعوثا من حكومته الملكية لتفوقه بالدراسة حسب نظام البعثات المعروف بسياستها التعليمية في تلك السنوات. إرتحلت لوطنه مع طفلها الاول مازن، تاركة امّها الأرملة وكانت وحيدتها، ليصبح العراق وطنها متخلية عن جنسيتها الإنكليزية بعد قانون عدم السماح بالزواج من الأجنبيات الذي شرّعه نظام حكم البعث بعدئذ. تسرد بولين ذكرياتها متطرقة لمنظر سقوط النظام الملكي ورؤية العنف بالأبيض والأسود بالتلفزيون بداية. شاهدت بعد ذلك، منظر إعدام عبد الكريم قاسم في بناية الإذاعة العراقية ثم تلاه انقلاب تلاه انقلاب ثم وراءه انقلاب. كانت حكايتها الدرامية تتعالى بفصول صبرها على تحمّل عيشها مع عائلة زوجها ببغداد أولا وكيف انسجمت مع الحياة البغدادية وصارت لها صديقات، منهن جارات أو زوجات أصدقاء زوجها بوظائفه المتعددة تبعا لكفاءته كخريج في الهندسة الكيمياوية من جامعة برمنغهام البريطانية.تصف كيف عمل في مصفى الدورة قرب بغداد ثم انتقل للعمل بمصفى خانقين شمالي العراق ثم مساعدا للحكومة على تأميم نفط العراق حيث قام بواجبه بكل اجتهاد واخلاص، وهمه أن يعيش العراقيون مرفهين، بعد ذلك، بخيرات بلدهم النفطية.تعرفت على صدام حسين في بيتهم حين جاء للتعزية بعد وفاة أحد اخوة زوجها. عرفته واحدا ساهم في محاولة إغتيال عبد الكريم قاسم بشارع الرشيد وبعدها إعتلى السلطة تدريجيا بعد انقلاب.
لا شك أن الأخير عرف كيف يستخدم زوجها لمآربه لدرجة أن جعله وكيلا لوزير النفط وأعطى لهم بيتا حديثا للسكن بمنطقة المهندسين وسيارة مع سائق بالانتظار بالباب. لكنهما عاشا بترقب قلب خائف وقلق دائم، لا سيما أنهما أدركا أن الحاكم ، للاسف، لا يؤتمن، لا احد يعرف متى يقلب لهما ظهر المجن، وعلى مقولة بعض من يعرفه شخصيا (لا صاحب عنده) ما عدا من كان مطيعا وعبدا له. عرفوا كيف افتتح حكمه بقتل العشرات من رفاقه في الحزب من البعثيين بطريقة لا يمكن تصورها، اثناء جلوسهم في قاعة الاجتماع لسماع خطبته. مارس سلوك أسوأ العصابات، مكتفيا بتدخين سيجاره الكوبي بعجرفة، آمرا حمايته بالقاء القبض عليهم وهم جالسون واحدا واحدا، بحجة أنهم متآمرون. سجلت المؤلفة بولين الجو المخيف بالعراق وكيف قتل وزير الصحة، بعدئذ، بمجرد اقتراح طرحه على صدام اثناء الحرب العراقية – الإيرانية، ليسلمه بعدئذ لزوجته مقطعا إربا إربا. بهذا الرعب عاشت بولين مع زوجها متجنبين الكلام حتى في بيتهم خوفا من الآت التصنت عليهم، وقبل أن تخبرهم ابنتهما (ندى) التي ولدت بالعراق، بعد سنوات، إنها سئُلت في المدرسة كي تتجسس على والديها لكنها رفضت.سجلت بولين بكتابها الدقيق بالتفاصيل والكثير الحنان للضعفاء من البشر والحيوان بالعراق، ولا سيما كونها اساسا ممرضة متمرنة ببريطانيا، عند لقاء زوجها، وربما استطيع القول ينطبق على سلوكها صفة (ملائكة الرحمة) التي تُطلق على الممرضات في بلدها الاصلي. لذا امتلأ الكتاب بمعاناة الشعب العراقي والآمه اثناء عاصفة مدمرة وغيوم داكنة يتحاشى البعض التطرق لها اليوم، لئلا يصاب بضيق التنفس بالصدر. من هذه الامور ما كان يُطلق عليه بداية السبعينات بظاهرة (أبو طبر). هذا الاسم الغريب المخيف الذي وجد لإرعاب السكان ببغداد، يسطو على البيوت ويقتل من يشاء منهم بالفأس. أُشيع بين السكان أن الحكومة عاجزة عن القاء القبض عليه أو على عصابته لجرأتها. تذكر بولين بكتابها متوصلة الى كون العصابة رجال أمن في كل محلة من محلات بغداد يعرفون السكان في بيوتهم فردا فردا جيدا، وقد ظهروا على التلفزيون سنة1975 ، بعد أن انتهت مهمتهم المنيطة بهم سرا، فوصفوا كمجرمين عاديين عثرت عليهم الحكومة وانقطع دابرهم بفضلها في النهاية.
لا ينتهي الكتاب التوثيقي إلا ويصل إلى الدور المأسوي لزوجها حيث يعدمه صدام اثناء ما تكون هي وابنتها في زيارة لأمها ببريطانيا. المحزن أن زوجها شعر بالخطر عليهما بالعراق واحس بما سيجري له لكنه لم يستطع المحافظة على نفسه. كانت جريمته، في رأيها الآن، أنه تحدث بصوت عال منتقدا ممارسات سيئة فذهب دون أن تقول له وداعا. ذكر البعض لها انه ظهر بالتلفزيون العراقي، بعد القاء القبض عليه، مرتديا البيجاما، مدافعا عن نفسه قائلا انه خدم بلده مضحيا بكل شيء كي يكون العراق بوضع أفضل. عرفت بعدئذ، إنه أُعدم مع آخرين معه من دون محاكمة يوم 19 آب سنة 1986 ودفن جثمانه في موقع للعائلة بمدينة سامراء. بقيت بالخارج خائفة على ابنها الوحيد مازن ذي الثلاثة والعشرين ربيعا، تلوب، متحينة الفرصة من أجل اخراجه من العراق دون جدوى. بعد انتظارها لسبع سنوات عجاف، والنتيجة فاشلة، تتفق مع اصدقاء لها فلسطينيين في عمان، لديهم مشروع تجاري في الخارج. رتبت معهم على أمل أن يخرج مازن من العراق فيجد عملا عندهم. أخيرا تجازف بالذهاب للعراق وإياهم بحجة زيارة أحد اقاربهم الطالب في جامعة بغداد. تصف الليلة التي قضتها معهم وكيف قُدم لها أطيب أنواع الأكل ولكنها لم تستطع أكله بسبب القلق والترقب على أمل رؤية ابنها. النتيجة كانت مؤلمة حين تهرول نازلة من السيارة، متلهفة لتدخل بيت السامرائي بمنطقة الكرادة ببغداد، لتجد أحد أخوان زوجها هناك وحده، وهو في حالة انكسار. أخبرها بجملة مقتضبة واحدة: صدام شنق مازن.بهذه العبارة المختصرة المدمرة تعود للاردن ليست فاقدة لشهية الطعام وانما للحياة كلها.
وكما نعرف أنّ سنّة الحياة ليست دائما سوادا، لقد خُطبت ابنتها ندى لمحمد (صبوح) ابن اصدقائها الفلسطينيين. تزوجت منه وانجبت طفلا. أول شيء فكروا فيه بعد مجيئه أن يطلقوا عليه اسم مازن احياءاً لذكرى خاله المغدور الذي أعدم بسجن أبو غريب ودفن قربه. أخيرا وبعد محاولة عائلة السامرائي معرفة مكان جثمانه أعطي لهم رقم مراجعة: 519 ونصحهم المسؤول أن يكفوا عن أي استفسار آخر!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى