مقارنة بين الزائر الإيراني و اللص الأمريكي
محمّد صادق الهاشميّ
تشهد العاصمة العراقية بغداد حراكاً دبلوماسياً واسعاً ، أطرافه: الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، وفرنسا ، وإيران ، فضلا عن وصول الملك الأردنيّ عبد الله الثاني في زيارة رسمية إلى بغداد. و وصل أيضاً وزير الخارجية الفرنسيّ جان إيف لودريان الاثنين 14 كانون الثاني 2019 ، إلى العاصمة بغداد في زيارتين منفصلتين ، بالتزامن مع زيارة وزير خارجية إيران محمّد جواد ظريف ، الذي وصل بغداد الأحد الماضي بعد أيّام من زيارة وزير الخارجية الأمريكيّ مايك بومبيو. وبحسب مصدر بوزارة الخارجية العراقية فأنّ «لودريان» سيبحث العلاقات الثنائية بين بغداد وباريس، ومن المقرر أنْ يلتقي بعدد من المسؤولين العراقيين لغرض تطوير العلاقات في المجال الاقتصاديّ والأمنيّ. يأتي ذلك في وقت كشفت مصادر سياسية عن أهمّ الملفّات التي سيبحثها الملك الأردنيّ عبد الله الثاني خلال زيارته بغداد ، مشيرة إلى أنّها تهدف إلى تعزيز التعاون في مختلف المجالات بين البلدين ، خصوصاً في قضايا: «الاقتصاد والتجارة ومكافحة الإرهاب». وتقول المصادر، من المؤمّل أنْ تتناول مباحثات الملك في بغداد ملفّات مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاريّ بعد اتفاق البلدين على انشاء مدينة صناعية حرّة عند معبر (طريبيل) الحدوديّ ، وبحث مشروع مدّ أنبوب نفط من البصرة العراقية إلى ميناء العقبة الأردنيّ. كما وصل وزير الخارجية الإيرانيّ محمّد جواد ظريف إلى بغداد الاحد الماضي، وذلك بعد أيام قليلة من مباحثات عقدها وزير الخارجية الأمريكيّ مايك بومبيو مع كبار المسؤولين في بغداد وإقليم كردستان. يهمّنا أنّ العراق الآن يشكّل نقطة الاستقطاب الدوليّ والإقليميّ ومركز التوازن ، وأصبح نقطة الاستقطاب ومركز القوّة في العالم العربيّ بعد أنْ خرجت السعودية من المعادلة بفعل سياستها البدوية القمعية , ممّا يؤشّر أنّ العالم أدرك عمق العراق وأثره الإقليميّ وقدرته على بناء الدولة العراقية وحماية العملية السياسية ، وأنْ يكون نموذجاً لدولة قوّية قادرة على مواجهة التحديات , وبالتالي كنتيجة لصمود الشعب العراقيّ أمام كلّ التّحديات، ومنذ عام 2003 إلى الآن اعترف العالم أنّ العراق لا يمكن الغاءه من الخريطة السياسية ، وأنّ الطريق الصحيح الذي يفترض على العالم أنْ يتبنّاه هو التعامل مع العراق بواقعه الحالي كقوّة إقليمية مهمّة. نعم لا تخلو تلك الزيارات من سعي المحاور الاقليمية والدولية إلى تثبيت أكبر مساحة لها في العراق ، وهذا طبيعي في عالم العلاقات الدولية ، فكلّ دولة تبحث عن عمق ومجال حيويّ لها ، وما يهمّنا أنّ الغرب والمحيط العربيّ كان يتعامل مع العراق بحذر ، ويترقب سقوط دولته وزوال عمليته السياسية ، بل ويعمل على إسقاطها ، وهذا أمرٌ موثّقٌ ومؤكّدٌ في مشروعهم, إلّا أنّ هذا المحور اليوم أرغم بفعل الصمود السياسيّ والأمنيّ أنْ يمدّ يده إلى العراق متعاملا معه كدولة مهمّة .. الاقتصاد العراقيّ لاعب مهمّ في تلك العلاقات، وهكذا ملفّ إسرائيل، ووجود المقاومة هو أحد مفاعيل الملفّات لتلك الزيارات من المحور الدوليّ والإقليميّ ، وعلى العراق أنْ يفكّر بعمق في مصلحته ، فلا يوجد (لا منتمي) في العالم ، فلابدّ أنْ نمدّ الصِّلات إلى الدول التي تعترف بسيادة العراق، وتعمل على خيره، وأنْ لا تجرّه إلى حروب، وأنْ لا تثقل كاهله بالأجندات، وتحترم سعيه لبناء عمليته السياسية وتطوير الديمقراطية واحترام رأي الشعب العراقيّ، ومن هنا فمن الضروري أنْ نفرّق بين الزائر المحترم، وبين اللصّ الخؤون من بين الوفود التي وصلت العراق ، ونقارن بين زيارة وزير خارجيّة الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة ، واللص الأمريكيّ وزير خارجيّتها .. خلال شهر واحد تقريباً زار العراق عددٌ من المسؤولين من الدول , فمنهم من زارها لصّاً في جنح ظلام الليل مرتدياً الزيّ العسكريّ منهزماً خائفاً ، كما فعل (ترامب) وأغلب المسؤولين الأمريكان بما فيهم وزير الخارجية الأمريكيّ «بومبيو» الذي وصل بغداد من دون أنْ نشهد له حفاوة واستقبال , بل حتّى كلمته التي كان يريد إرسالها إلى دول الشرق الأوسط لم يتمكّن ، ولم يمتلك الشجاعة أنْ يلقيها من جامعة بغداد مثلا أو احدى القاعات والمؤسسات العلمية أو الرسمية في العراق ، بل ألقاها في القاهرة ، ولو شاء هذا الجبان لألقاها عبر سكايب من واشنطن , لأنّه يعلم أنّ أذرع المقاومة تمتدّ إلى حيث تريد ومتى تريد . الزيارات الأمريكيّة لم يتعرّف الرأي العامّ العراقيّ على برامجها، بينما يتحدّث المسؤول الإيرانيّ عن الاعتراف بالسيادة العراقية، وعن أهمّية تعميق التعاون بين البلدين في كلّ المجالات ، ويتنقل بين الدوائر والمؤسسات الرسمية والبرلمانية والتنفيذية والتشريعية بكلّ احترام ودون خوف و وجل , ويزور السنّيّ والشيعيّ والكرديّ ، ويوقّع عدداً من الاتفاقات، ويفتح آفاق المستقبل بالتعاون المثمر البنّاء , بينما يأتي الأمريكيّ ولا نعلم بما يريد ، وإنْ علمنا شيئاً فهو لا يتجاوز متابعتنا لخطاب ترامب و وزير خارجيته ، إلّا انتزاع السيادة والتهديد والوعيد وشنّ الحروب وإشعال الفتن وتأليب دول المنطقة بعضها على بعض, وتأسيس القواعد العسكرية ، وإرسال المزيد من الجنود الأمريكان والتلويح بالقوّة من خلال عودة البعثيين , فأي الفريقين أحقّ بالأمن والإجلال الاحترام الزائر الايراني يتشرّف بزيارة الأئمّة الهداة الأطهار، ويصلّي في مساجدنا ، ويترحّم على شهدائنا ، ويحترم حدّ القداسة حوزتنا ومراجعنا , ويقوّي مسيرتنا ، واللصّ الأمريكيّ يأتي كخفافيش الليل لنشر الفجور والسفور ويرقصّ مع زوجته الراقصة أمام الشعب العراقيّ بين جنوده من دون حياء. الزائر الإيراني يدعم قضايانا التي أكّدها الاسلام ، بينما اللصّ الأمريكيّ يجبرنا على أنْ نطبّع العلاقات مع الكيان الصهيونيّ الغاصب ، ومع الوهابيّ الذبّاح، وبعبارة أدقّ أنّ النموذج الذي يقدّمه الزائر الإيراني والخطاب الذي يقوله: هو السلام والمحبّة والتكامل والخير والرفاه والمساعدة والتكامل الإقليميّ وحماية الشعوب وحلّ المشاكل الجذرية بين البلدان, وحفظ كرامة الشعوب , بينما اللصّ الأمريكيّ يقدّم لنا خطاب الحروب ، ويرقص على أشلاء سوريا والعراق ولبنان والبحرين واليمن.



