الشرطيات العراقيات.. ضرورة ملحة وبدايات صعبة لمهمات خطيرة

سواء أجبرتهن الظروف على العمل لإعالة أسرهن أو اخترن ذلك بدواعي الواجب الوطني، فإن الشرطيات العراقيات عانين منذ البداية من نظرة المجتمع المحافظ لهن، ومازلن يعانين على الرغم من اتساع مهماتهن الأمنية واكتساب ثقتهن بأنفسهن بعد سنوات من العمل والخبرة.
يلقي احتفال العراق بعيد الشرطة، نظرة عن واقع الشرطيات اللاتي اخترن الانخراط في سلك الأمن عن طيب خاطر أو أجبرتهن الظروف المادية على الخروج للعمل وكسب قوت العائلة، وما واجهنه من مصاعب ومتاعب في بداياتهن.
قالت ملازمة انخرطت في سلك الأمن منذ 2013، إنها كانت تحلم منذ نعومة أظفارها بأْن تصبح شرطية، رغم أنها تنحدر من أسرة محافظة تعتبر المكان المناسب للمرأة هو البيت، لا أن تهتم أو تزاول أعمالا خاصة بالرجال.
وفي المقابل تقول ضابطة أخرى، إنها أجبرت على العمل في سلك الشرطة للإفلات من شبح البطالة بعد أن تخرّجت في الجامعة ودرست الحقوق رغم علمها بما ينتظرها من مصاعب وعراقيل، “العمل بخطة شرطية يتوجب التغلب على الكثير من الصعوبات للاستمرار به”.
وقال شرطي متقاعد “إن مهنة أبو إسماعيل (اسم يطلقه العراقيون على الشرطي سابقا)، كانت محصورة بالرجال وكنا نتعجب عندما نرى في الأفلام الأجنبية أو حتى العربية وجود نساء بعضهن برتب رفيعة يقمن بواجبات خطيرة إلى جانب الرجال في متابعة المجرمين واعتقالهم”.
وقال مسؤولون في وزارة الداخلية إن وجود الشرطة النسائية أصبح ضروريا لأن النساء لا يمكن تفتيشهن من الرجال، فضلا عن أن الأعداء الذين يستخدمون النساء في أعمالهم الإجرامية، وهذا يعني أن التفتيش لن يكون سهلا في غياب الشرطيات. والوضع الاقتصادي الصعب وانحسار فرص العمل أديا إلى إقبال النساء على التطوع في جهاز الشرطة، إضافة إلى ارتفاع المرتبات التي تدفع بالكثيرات إلى خوض مضمار هذه التجربة الخطيرة.
وقالت إحدى الضابطات برتبة ملازم أول، إنها اختارت مهنتها بمحض إرادتها، ولم تجبر على العمل في هذا المجال تحت ضغط الحاجة أو البطالة مثل الكثيرات من زميلاتها، وتضيف “أنا فخورة بكوني ضابطة، ولو خيّروني بين الرتبة والبدل المالي سأختار الرتبة مهما بلغت قيمة البدل، لكن الأمر يواجه صعوبات كبيرة على أرض الواقع.
رجال يرفضون
قال صاحب سيارة أجرة في بغداد متذكرا أول امرأة تلوّح له شرطية بالتوقف، “في بادئ الأمر كنت أعتقد أن الزي الذي ترتديه شرطية المرور جزء من مشهد تمثيلي لمسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي، حيث التفت يمينا ويسارا ولم أجد شيئا يؤكد ما ذهبت إليه”.
تلك المرأة لم تكن ممثلة بل كانت الملازم نسرين عزيز التي لبست زيها المتكون من القميص الأبيض والتنورة النيلية واضعة على رأسها قُبّعة المرور ووقفت في تقاطع ملعب الشعب المعروف عند البغداديين بزحمته المرورية التي يعرفها العراقيون.
وبدل أن تسهّل حركة المرور فاقم وقوف الملازم الزحام المروري، وذلك بتباطؤ معظم سائقي السيارات في القيادة للنظر إليها، حيث كانوا متفاجئين من رؤية شرطية مرور في الشارع.
وتحدثت نسرين آنذاك عن وجود صعوبة في بدايات عملها في تنظيم حركة في شوارع بغداد، كما أن البعض لم يتعود على وجود النساء في الشارع، وانتظار الإشارة منها كامرأة في التوقف والانطلاق، لكنها تؤكد أنها كانت سعيدة بأن تكون جزءا من عملية تنظيم السير في العاصمة، “كل شيء أجده جميلا في هذه المهنة رغم خطورتها ومتاعبها”.
زميلتها هدى هي الأخرى عملت في تنظيم حركة السير، قالت في ذلك الوقت إن “هناك من استغرب لوجودها بين عدد من الرجال الذكور، لكن الموقف الطريف الذي حدث لها عندما قام بعض سائقي سيارات الأجرة بالتقاط صورة سيلفي معها”. وأضافت “كنا نصادف بعض المضايقات حتى من بعض النساء بسبب عدم إلمامهن بطبيعة عملنا، فالبعض من النساء يعتبرن عملنا ثانويا ويقلن كلاما يقلّل من أهمية العمل.”
وواجهت الشرطيات منذ البداية رفض المجتمع المحافظ لهن لأنه يعدّ أن دور المرأة لا يكون إلا في البيت، ولم يقبل العراقيون في البداية المرأة الشرطية، حتى بعض الضباط رفضوا ذلك. وقال ضابط برتبة ملازم يدعى حيدر عبد الأمير في وقت سابق “المرأة تستطيع القيام بالكثير من الأعمال لكن ليست الأشياء التي تتطلب قوة ومقدرة بدنية”، مضيفا، أن “النساء عاطفيات جدا وقد يتأثرن بسهولة بالأحداث”.
وقالت شرطية تدعى حمدية “وجدت صعوبة في بداية عملي، ولكن بعد أن تعوّد أهلي والجيران، لم أعد أشعر بالخجل من مزاولته”، لافتة إلى أنها تلقت دورات في حمل السلاح والتفتيش وتفكيك العبوات الناسفة، لكن لم يحصل أن قامت بذلك ميدانيا خلال عملها.
وقال وكيل وزارة الداخلية العراقية السابق عدنان الأسدي، “هناك من العناصر الأمنية من الرجال من يستنكف ويترفع على أداء التحية للضابطات الأعلى رتبة منه متمسكا بعقلية الرجل والمرأة، وسيكون من يخالف الضوابط عرضه للتحقيق والحساب الشديد”.
وأوضح الأسدي أن الوزارة ستحيل أي منتسب لا يلتزم بقوانين الضبط العسكري ولا يؤدي التحية للنساء العاملات معه في المكان نفسه ممن هن أعلى رتبة منه، مشيرا إلى أن المرأة تشارك في ملف الأمن بانتسابها في الشرطة، ولا تقل عن الرجل ويجب التخلي عن تلك النظرة من زملائها من الرجال.
وقالت ضابطة تدعى أسماء، “واجهت في البداية صعوبات من الأسرة، والمجتمع الذي أعيش فيه، لكن تخطيت هذه المرحلة”، مضيفة، أنها غالبا ما تتعرض لمعاكسات الشبان، ولكنَّها تعوّدت على ذلك، وهي ماضية في ممارسة عملها رغم هذه المصاعب.
سناء تطوعت للعمل بصفة إدارية في المؤسسة الأمنية عقب مقتل زوجها، لكن تم تحويلها عام 2006 للعمل بصفة شرطية في السنوات اللاحقة، تقول “كنت مضطرة إلى الالتزام بقرار تحويل الإداريات إلى شرطيات لحاجتي الماسة للعمل، بينما كثيرات أخريات من المنتسبات تركن المهنة خوفا من العشيرة والمجتمع”.
مهمات خطيرة
قال شرطي عن بداية انتشار الشرطة النسائية، إن نظرة المجتمع السابقة لعمل النساء في الأجهزة الأمنية كانت خاطئة، مؤكدا أن بعضهن يقمن بواجبات ساهمن بها في حفظ دماء الكثير من الأبرياء، إضافة إلى أن بعضهن يقتلن وهن يؤدين واجبات خطرة في السنوات الأخيرة.
وقالت الملازمة هديل التي تدربت على استعمال الاسلحة في كلية الشرطة ببغداد “بعض صديقاتي حولن الأمر إلى مادة للفكاهة. هن يسألنني عمّا إذا كنت خائفة ويقلن لي إنها ليست وظيفة نسائية”، مضيفة، “لا أستطيع أن أخوض كثيرا في الجدل معهن لأن لديهن طريقة تفكير مختلفة”.
ومثلهن مثل الرجال، فإنهن يواجهن خطر انفجار السيارات الملغومة والهجمات التي يشنها الارهابيين والتهديدات بالاغتيال، كما تعودن على مواجهة المشاعر المضادة من العراقيين المحافظين الذين يعدّون الشرطة مهنة قاصرة على الرجال.
وقالت ضابطة تدعى بتول وهي أم تعيل خمسة أطفال، “معروف أن العراقيات قويات الشكيمة”، مؤكدة أن “العمل في سلك الشرطة واجبنا لا يختلف عن واجب الشرطة من الرجال، إذ أننا جميعا نساهم في عملية حفظ الأمن، وهذا ما جعلني أواصل بعد أن تطوعت بدافع ظروف مادية صعبة مررت بها”. واضافت،“استطيع العودة إلى منزلي لطهي الطعام والنظافة وأمضي بعض الوقت مع عائلتي ولن أشعر بالتعب عندما أعود إلى هنا في اليوم التالي.



