مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي
لطيف عبد سالم
64
من البديهي أنَّ العيشَ فِي مُجْتَمَعٍ يسوده الظلم ويعمّه القهر وَالخوف، يفرض عَلَى الإنْسَان تكثيف مساعيه لتحقيق حلم الخلاص، وإنْ كانت سبله محفوفة المخاطر؛ إذ ربما تفضي بالمغتربِ إلى حتفه، لكن تلك المرامي تبقى أرحم مِنْ الظلم الَّذِي يتعرض له الإنْسَان فِي بلدِه. ولأنَّ واقع الحال فِي بلادِنا كان حينئذ كما فِي قول أحد مؤسسي الفلسفة الغربية الحكيم اليوناني سقراط المتوفى فِي عام 399 ق. م. «راحة الحكماء في وجود الحق, وراحة السفهاء في وجود الباطل»، فلا مناص مِن الإقرارِ بأنَّ استبدادَ نظام القائد الضرورة، قد ساهم فِي غرسِ فسيل المواجهة فِي البِيئَةِ المَحَلِّيَّة بالركونِ إلى البحثِ عَنْ سُّبُلٍ لمغادرةِ البلاد؛ وَلذا فإنَّ فكرةَ الهرب كثراً ما كانت تتبلور فِي تفكيرِ السَماويّ، بالإضافةِ إلَى الكثيرِ غيره، إلا أنَّ المفارقةً فِي أمرِ هروبه مِن العراق، تمثلت بحدوثه فِي أعقابِ امتلاكه بيتاً جميلاً بناه له أبوه عَلَى الرغمِ مِنْ أنَّه وزوجته كانا يتقاضيان راتباً؛ كونهمَا يعملان فِي حقلِ التدريس قبل إبعاده عَنْ فضاءاتِها بشكلٍ غير مشروع وَمُثير للاشْمِئْزاز فِي الوقت ذاته.
ويا بغداد و»الخمسون»
بدءُ صبا لذي نِعَم
ونافذة ـ لذي ألم
ولا أملٌ ـ على رِمَم
نُحشِّمُ مَنْ وكلّ فيه
جرحٌ غيرُ ملتئم؟
فلا من حزم «هارونٍ»
ولا من عزم «معتصم»
لمن نشكو و»قاضي العصر»
ما أبقى على قيم؟
أضاع بصيرة وغفا
على ريشٍ من الصَمَمِ
ظميء.. والشراع ظمي
إلى نهريك والنَسَمِ
إلى نخل السماوة زُفَّ
بعد الصبرِ للدِّيَمِ
وفاختةٍ إذا هَدَلتْ
أثار هديلها نغمي
وحَفَّزتِ المِداد يصبُّ
كأسَ الحبِ من قلمي
سلاماً يا نميرَ الروحِ
من قلبٍ إليكَ ظمي
لَعَلَّنا لا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ السَماويَ يحيى أو «الطائر الذي منح للحرف سماء إبداع» بحسبِ الشاعرة الدكتورة راوية الشاعر، لَمْ يخضع وَلَمْ ينكسر، فهو القائل: «ما دام الواقع قبيحاً، فليس لنا إلا تجميله – قدر استطاعتنا – بالشِّعْر حتى لو كنا مذبوحين من إخمصِ الماضي إلى قمةِ الحاضر»، فالسَماويّ يحيى مؤمن بأنَّ شعورَ الإنْسَان بنشوة الحياة، يلزمه البحث عَنْ الشيء الذي يشبع ذاته؛ لأنَّ للحياة بحسبِه «متعة، مَنْ لا يجدها فهو لم يولد بعد». وَضمن هَذَا المسار وَجدت فِي بعضِ آهات السَماويّ يحيى مَا يترجم آلام شعبنا وَيعبر عَنْ إحساسه بضياعِ وَطَن، حيث يقول فِي واحدة مِنْ تنهداته: «أرجو ألآ أكون مجانباً للحقيقة لو قلت أن كلّ عراقييِّ الأمس عاشوا ذات المرارة، وأمّا عراقيو اليوم، فلا أظنهم أحسن حالاً: غرباء حتى في مدنِ أحلامهم»، لكنه يستدرك قائلاً: «من أين للمرء القدرة على إعادة دموع الأمس إلى عينيه؟، فربما يحتاج بعضاً منها للفرحِ المرتجى»؛ لأَنَّه مَا يَزال متفائلا بالغد وَمتمسكاً بالأمل فِي إجهاض مَا تواجهه بلاده مِنْ جسامِ التحديات. وَقد يكون مِن المناسب أنْ نذكر هُنَا مَا أشار إليه الفيلسوف البريطاني وَعَالم المنطق وَالمؤرخ وَالناقد الاجتماعي برتراند راسل (1870 – 1970) بالقول «لو كان في عالمنا اليوم عدد كبير من الناس يرغبون في سعادتهم أكثر من رغبتهم في تعاسة الآخرين، فسنحصل على جنة في بضع سنوات». وَالطريف فِي الأمرِ بشأنِ هذه المقولة أَنَّ صاحبَها انتهج فِي مراحلٍ مختلفة مِنْ حياتِه، الليبرالية وَالاشتراكية، فضلاً عَنْ عَملِه داعية سلام، إلا أَنَّه أقر بعدمِ كونه أياً من تلك المناهج بالمعنى العميق.
ذنـبـي كـبـيـرٌ!
مَـرَّ لـيـلٌ كـامـلٌ
مـن دونِ لـثــمِ قـرنـفـلِ الـشـفـتـيـنِ والـيـاقـوتـتـيـنِ
ودون تـمـشـيـطـي جـدائـلـكِ الـحـريـرْ
والـركـضِ
خـلـفَ غـزالـةِ الـفـردوسِ مـا بـيـن الـوسـادةِ
والـمـلاءةِ والـســريـرْ
فـلـتـغـفـريْ لـيْ إثـمَ مـعـصـِـيـتـي..
جـِدي عـذراً لـســادنِـكِ الـبـتـولـيِّ
الـمـوزَّعِ بـيـن بـاديـةِ الـسـمـاوةِ والـرّصـافـةِ
مُـطـفـأ الـيـنـبـوعِ مُـتـَّـقِــدَ الـسـَّـعـيـرْ
شـوقـاً
الـى صـحـنٍ مـن الـقـُـبُـلاتِ..
يـقـفـو جُـوعَـهُ عـطـشٌ خُـرافـيٌّ
لـكـأسٍ مـن زفـيـرْ
لا رَيْبَ أَنَّ السَماويَ يحيى أو «سيّد السّكر دون خمر، والعمر الزاحف دون شيخوخة، والطفل الملفّع بأنين اللحظة دون دمية، فنان الرسم بالكلمات..» بحسبِ الشاعرة وَالروائية وَالناقدة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان، كان يئن مِنْ فرطِ الإجحاف الَّذِي فرضته عَليه أجهزة النظام الدكتاتوري، وَلعلَّ مِنْ جملةِ تلك المواقف المؤلمة هو أنَّه بَعْدَ أنْ سيقَ إلى الخدمةِ الإلزامية فِي أعقابِ تخرجه مِنْ كليةِ الآداب عام 1974م، انتظم بدورةٍ للضباطِ «المجندين» أو – الاحتياط مثلما هو شائع فِي بلادنا – فِي قسمِ الدروع بمعسكرِ منصورية الجبل، حيث أمضى شهوراً عدة عَلَى أملِ التخرج مِن تلك الدورة العسكرية برتبةِ ملازمٍ مجند، إلا أنَّ أمراً رسمياً صدر قبل أسابيع مِنْ تخرجِه، يقضي بتحويله – وَنحو أربعين مِنْ خريجي الجامعات العراقية – إلى «جندي شغل»؛ بالنظرِ لوصولِ أضابيرهم الأمنية مِنْ كلياتِهم وَمناطق سكناهم. وَأَدْهَى مِنْ ذلك إجراءات إدارةِ وحدته الجديدة التعسفية الَّتِي اتخذت ضده هو وزملاؤه الَّذين يشاركونه الدرب نحو مدينة العشق الفاضلة – مِنْ بَيْنَهم الدكتور نجاح طاهر العميشي المقيم حالياً فِي الدانمارك – وَالَّتِي يمكن أن نتلمس معاناة أيامها مِنْ خلالِ وصف السَماويّ إياها بدقةِ وَعمق إنْسَانيّ فِي قولِه: «أمضينا شهوراً عديدة في – قره داغ – كبغال بشرية ممنوع عليها الاختلاط بالجنود الآخرين».
وَلا أظنني أبـالـغ أو أخاصم الحقـيـقـة إذا ما قلت إنَّ مَنْ يتاح لَه الإطلاع عَلَى هَذِه الحكايات أو عَنْ غيرها مِنْ مآسي تلك الأيام، يدرك جيداً عمق فجيعة الأجيال العراقية الَّتِي عاصرت تلك المدة برعبها وَبؤسها وَعذاباتها، فضلاً عَنْ أنَّه لا يجد غرابة فِي تسيّد مَا يسعى إلى بعثِ الهوية الإنسانيَّة فِي الحراك الإبداعي عَلَى صعيدِ الأروقة الثقافية والفَنِّيَّة، فبالإمكان استقاء بعض الإيماءات الخاطفة مِنْ إجماليّ ما دونه عَلَى مدى عقود مِن الزمانِ علماء وَأدباء وَمفكرون وَغيرهم، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر، أنَّ شعورَ الكاتب وَالشاعر التونسي المنصف مزغني بِمَا يعيش مَعه مِنْ ألم، ترجمه بمقولةٍ جميلة نصها: «قشروا ضحكتي تجدوا دمعتي».
أو كتلك الصورة الإنسانيَّة الَّتِي رسمها أيقونة السينما الصامتة، الممثل الكوميدي الإنجليزي تشارلي تشابلن (1889 – 1979) الملُقّب بالحزين الَّذِي أسعد العالم، وَالبائس الَّذِي أضحك الملايين، وَالَّتِي عبرَ فِيها عَنْ الموضوع إياه بالقول «أحب المشي تحت المطر، لأنه لا أحد يرى دموعي».
تـَوَهَّــمَــنـي صَــبـوراً فـاســتــزادا
صــدوداً كـاد يـســلـبـنـي الــرَّشـادا
ولـو عـلِـمَ الـحـبـيـبُ حـدودَ ضـعـفـي
لـمـا عَــرَفـَـتْ وســـادتـهُ الـرُّقــادا
غـرَسـتُ أضالـعـي شـجَـراً ظلـيـلاً
فـجـازانـي بـذبحِ غـدي حَــصــادا!
يُـعـانِـدنـي بـحـجـبِ خطىً وصـوتٍ
فـزدتُ عـلـيـهِ فـي شـغــفـي عِــنــادا!
تـمـكـَّنَ مـن فـؤادي فـهـو عــنـدي
إذا شـُــلَّ الــفــؤادُ: غــدا فــؤادا!
ولــولا عـاذلٌ يــمـتــارُ حــقـــداً
خـبـيـثـاً ســـاءَ ظـنـاً واعــتــقــادا
لكـنـتُ كـ»صَبِّ عـذرةَ « في هـيامي:
أرى مـوتي ـ عـلى عَـجَـلٍ ـ مُــرادا!
ولـكـنـي كـظـمـتُ الـوجـدَ كـيــمــا
أغـيـظُ بـهِ لــدوداً قـد تــمــادى!
وخـوفـاً من شــمـاتـةِ مُـسـتـريـبٍ
وقَــولــةِ جـاحِــدٍ إنْ قــالَ زادا



