المهمّة الكبرى في حياة المسلم

السيد عباس نورالدين
المسلم الواقعيّ هو الذي يسلم وجهه لله، فتكون وجهة حياته كلّها نحو الله تعالى. وللسير إلى الله صراط وبرنامج وخطّة، تُختصر بمفهوم الدين. فمن وقف حياته كلّها للدين وتفرّغ له يكون كمن أسلم لله. والإسلام درجات، أفضلها وأرضاها عند الله تسليم الحياة والنشاطات والمساعي كلّها له سبحانه..التفرّغ لله هو التطبيق العمليّ لما أراده الله تعالى منّا حين قال: {قُلْ إِنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحْيايَ وَمَماتي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمين}ويعني ذلك أن نصبّ كل طاقاتنا ومساعينا ونشاطاتنا في خانةٍ واحدة، وهي إقامة الدين في هذه الحياة..فالانتقال إلى جنّة الخلد حيث لقاء الله والسعادة الأبدية موقوف على تحقّق يوم الدين في هذا العالم، وذلك حين تصبح الأرض وما عليها مطابقة لشرع الله ودينه، ومتوافقة مع إرادة الله وبرنامجه..وينطلق المسلم نحو أداء هذه المهمّة من إيمانه العميق بأنّ الله تعالى قد تكفّل برزقه ومعيشته، وأنّه إذا توكّل عليه حسبه وكفاه كما وعد (عزّ من قائل): {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} وقال:{أليس اللهُ بكافٍ عبدَهُ} و.. ولذلك يصرف المسلم الواقعيّ كل همّه واهتمامه وتفكيره في تنفيذ المهمّة الأساسية التي خُلق لأجلها على هذه الأرض في هذا الزمان والمكان، وهو يعلم أنّ الله تعالى سيدبّر أمور دنياه كما يحب ويرضى؛ وهل هناك أجمل وأهنأ من أن يكون الله من يقوّم حياتنا ويسوسها فقد يكون إنجاز هذه المهمّة الإلهيّة عبر العمل في الأرض والزراعة أو خدمة المجتمع بشتّى الوسائل (نجارة، حدادة، طبابة، تجارة،…)، حيث يجتمع تحصيل المعاش مع خدمة الدين. وقد يكون أداء المهمّة عبر التفرّغ للتعليم والتبليغ والإعلام والعمل السياسيّ ومواجهة أعداء الدين، وغيرها من الأعمال التي ليس لها عنوان تحصيل الرزق..فالمهم عنده أن يصرف طاقته الأساسية في سبيل الله، وأن ينفق زهرة عمره للدين، وأن يكون حاصل جميع ما قام به في هذه الحياة هو إضافة في تديّن الناس وإقبالهم على الدين على الصعيد الفردي والاجتماعي..وإنّ المسلم الواقعيّ بأمسّ الحاجة ههنا إلى الهداية والبصيرة التي تؤهّله لقياس مستوى التديّن في المجتمع، حتى لا تذهب أعماله سدًى، أو يكون ـ لا سمح الله ـ ممّن يعمل على غير بصيرة فلا تزيده كثرة السير إلا بعدا. ولذلك كان القسم الأكبر من دعواته ومناجاته ورجاءاته أن يلهمه الله معرفة تلك الخدمة التي تتوافق مع ما يريده الله منه وخلَقه لأجله..وإنّ أكبر العقبات التي يمكن أن تمنع المسلم من أداء مهمّته ـ بعد معرفتها أو معرفة الخيط المتّصل بها ـ قلقه وهمّه تجاه الحياة الدنيا وشؤونها؛ من المعاش والرزق والمنزل والأسرة وغالبًا ما نجد أنّ ما حال دون إكمالنا لما بدأناه في شبابنا حين اندفعنا بكلّ حماس لأجل نصرة دين الله، هو القلق من المستقبل والخوف من أن نُبتلى بالحرمان والفقر لهذا، ما لم نحسم قضية الرزق على مستوى الفكر والعقيدة، لن نبلغ ذلك اليقين الذي نعرف معه أنّ الله تعالى قد تكفّل برزق من ينصره ولو كان في سابع أرض. وقد يتطلب الأمر في بعض الحالات رفقًا بهذه النفس الضعيفة العاجزة عن إدراك حقيقة «لا رازق إلا الله»، فنسمح لها ببعض العمل والسعي الدنيوي، في الوقت الذي نخصّص جزءا آخر من وقتنا وطاقتنا لنصرة دين الله؛ عسى أن نوفّق ذات يوم للتفرّغ الكامل لهذه المهمّة، وإن كنّا نمارس تجارة أو حرفة دنيوية..ولهذا يبدأ المسلم حياته كلّها، وقبل الانطلاق في أي مسعى أو مهمّة، بتحديد الولاية التي ينتمي إليها، وهو يريد أن يكون مع الإمام المرضي عند الله، يوم يُدعى كلّ أناس بإمامهم.



