إبتزاز

محمد قشتو ـ المغرب
في ذلك الصباح وأنا أروح الهوينى في ساحة تلك الإدارة، أنتظر بأحر من الجمر وبفارغ الصبر واليقين خروج الكاتب العام من الإجتماع، بعدما وجدت مكتبه مغلقا وأستفسرت عنه صاحبة المكتب بجانبه. استيقظت قبلها من سبات عميق من أثر جهد وتعب الأمس قبله، كنت أخطوا نحو تلك الإدارة لأضع سيرتي الذاتية، بعدما ربطت إتصالا مع صديقي المخلص على أن يحرر لي طلبا ريثما أصله، وبيني أعياني المشي بين الأشجار وطول الإنتظار، رحت إلى زاوية بعيدة أرى منها بمرأى واضح باب مكتب الكاتب العام، وفي يدي رواية للكاتب الأجنبي العملاق طه حسين، فضلت أن أتماشى بين سطورها وحروفها وأنتهز ذلك الإنتظار الطويل في إغناء معارفي، فرغم أنني عاطل عن العمل إلا أنني لم أبطل إتحاف قريحتي ومفكرتي منذ أخذت «الليسانس».
فتحت الكتاب عند الصفحة التي انتهيت عندها قبل ذلك اليوم، تمتمت بشفاهي (الفصل الرابع) قبل أن أبدأ الفقرة الأولى لاح ضجيج عارم شتت وأزاح كل تركيزي، وأنصرفت نواظري مباشرة حيث ذلك الصداع، حدقت كثيرا فيهم وكأنني أخاطبهم لماذا لا تتكلمون بنبأة خفيفة؟، الناس هنا في هذه الغرف سيجتمعون عليكم من أثر هذا الضجيج، أتساءل في ضميري وكأنني أخاطبها، لماذا أيتها المرأة لا تتفادين هذا الصياح أمام الملأ؟.
كانت إمرأة خمسينية حنطية في بشرتها، عليها جلباب مطرز، وفي يدها هاتف وفي قبضتها الأخرى ورق كبير عليه رسوم، تبيّن في كلامها بعد أنه تصميم بناء منزل، قبل أن تنهي مكالمة وسط تلك الساحة، مر الولد الشاب بجانبها فصاحت بصوت واضح ومبين: ألولد قف أريد أن أتكلم معك.
وكان الشاب عشرينيا، له قامة قصيرة ووجنتين مشربتين بالإحمرار في لباس متواضع، لا يظهر عليه أنه موظف، عندما رأيته في أول وهلة يتكلم مع صديقي ظننت أنه فقط متدرب لا غير، كان يحمل في يده وثائق أبرمها، وتوقف فور فطنه لصوت تلك المرأة، كان يبدو من موقفه ونظرته أنه فقط ستسأله في حاجة داخل هذه الإدارة، وما كان يدري أنه ستؤجج الوضع عليه.
صوت المرأة الخمسينية المرتفع جعلني لا أحتفظ بتركيزي، وكنت أسترق النظرات بين الفينة والأخرى إليهما، وبينما ذلك الشاب يحاول أن يهدئ الوضع معها فيما بينهما، إلا أنها أبت أن ترضخ لطلبه، وأنصرف هو عنها، فكانت تزيد من حدة صوتها بكل ما أوتيت وهي تتوعده وتهدده قائلة في وسط تلك الساحة: (ذاك عرق جبيني سأناضل وأموت من أجله وأقتل عليه، لماذا فضلتم بيننا، لأنه يملك السيارة الفاخرة والملبس الأنيق، وأنا ليس عندي).
انفتح باب إحدى المكاتب المطلة على تلك الساحة، وخرج منها شخص يبدو من مظهره الأنيق أنه شخصية مهمة داخل هذه الإدارة، يسير تُجاه تلك المرأة وهو ينادي بصوت معتدل: (يا لالة.. يا لالة.. تكلمي بصوت منخفض، فالناس مشغولة). وحاول هو الآخر أن يهدئ من روعها والدموع تذرفها وتتبعها طرف يدها لتمسحها، ولا سيما أنه مسؤول على كل ما يحدث داخل هذه الجدران، فاستطاع بحيلة من حيال السياسيين أن يقنعها، فأدخلها إلى ذلك المكتب الذي خرج منه، فنجح بذلك في فض تلك الزوبعة التي إجتمعت في الساحة من أصحاب الفضول.
في تلك اللحظة التي كنت أحاول فيها أن أتمسك بتركيزي ما استطعت، وأندمج مع أحداث الرواية، جاء أحد المتلصصين جلس إلى جانبي في خفة دون تحية ولا سلام، واكتفى بقوله في صوت منخفض كالخائف وهو ينظر إلى تلك المرأة وهي تؤاخذ ذلك الشاب: (ماذا بهم)؟ وأكتفيت بدوري أنا دون أن ألتفت إليه، ولا حتى أن أنظر إلى سمات وجهه بقولي: (لا أعرف) ونظراتي منصبة حينها على الفصل الرابع.
في لحظة من اللحظات دخل شاب أبيض الوجه نحيف الجسم في لباس متواضع، سمات وجهه لا تدل على أنه إبن المرأة الخمسينية، يصيح هو الآخر بصوت عال ومرتفع، ويستعرض عضلاته بكلامه النابي الفاسد الموجه للغائب دون معرفة من هو، ظن الشاب العشريني أنه يقصد، فتشدا لفظيا، وتدخل بينهما رجل آخر وفرق بينهما.بعد أسبوع من تلك الواقعة جلست أحتسي كوب قهوة في مقهى الحي، نحو الساعة السادسة مساءاً، أنتظر وفود صديقي المخلص علي، وكان بجانبي ثلاثيّ يبدو واحد منهم وكأنني رأيته في ساحة تلك الإدارة في ذلك الصباح من الأسبوع المنصرم، أنظر بين الفينة والأخرى إلى ساعتي اليدوية وقد جلست منذ ثلث ساعة وصديقي لم يظهر له أثر أو خيال، لم أجد ما أغتنم به ذلك الإنتظار الذي لم أضعه في الحسبان، حتى الكتاب لم أصطحبه معي، كان بإمكاني أن أقرأ شيئا من اللوحة أو أتلهى بها، لكن لسوء الحظ قد نفد منها الشحن، حتى الثلاثيّ بجانبي منغمسون في حديث ما.. يكاد الجالس إلى جنبهم يفهم علامَ يتحدثون؟، التقطت أذناي من في أحدهم هذه العبارة: (مشاغبة وأختها، تلك عادتهن، إبتزاز من أجل مد اليد لهن).
أخذت رأسي أنظر إلى المقبلين والمدبرين في الشارع، لمحت صديقي ومشيته المعتادة من بعيد وهو قادم، ولو قوي بصري وأخذت رأسي قبل ذلك لأبصرته وميزته من مسافة بعيدة، فهو صديقي أعرف ما في كنهه من أسرار فضلا عن مشيته.
انغمسنا في حديث ماتع وشيق ونحن ننظر إلى المارة، فهذا المساء هو الذي نقضيه للتنزه طيلة الأسبوع، فلم أرَه منذ ذلك الصباح في تلك الإدارة، أفرغ كل منا للآخر مستجداته الخاصة والعامة، حدثني عن صاحبته وأحاسيسها إزاءه، وحدثته عن إنشغالاتي بصدور مؤلفي الأول، وهو أول من يعرف ذلك، طال بنا المجلس حتى نادى المنادي إلى صلاة المغرب، قمنا من حولنا لقضاء الفريضة وبعدها ننظر أي فج من الفجاج نسلك.
وبينا نحن جالسان في إحدى الحدائق العامة، التي تنيرها أعمدة كهربائية من نوع خاص ذات ضوء شفاف، وقد ملئت أرجاؤها بتجمعات بشرية، من أطفال ونساء ورجال.. نسترق اللحظات بحديث حلو شجيّ عن ذكرى الثانوية.. قطعته فجأة وقد تملكني الفضول لأسأله عن الرجل الذي صافحه من الثلاثيّ الجالس بجنبنا فور قدومه عليَّ وأنا أنتظره، فأجابني من حاله وهو مستغرب من سؤالي (إنه موظف معنا داخل الإدارة).
لم أنسَ ونحن نمشي في سبيل الرجوع بعد خروجنا من صلاة العشاء، أن أحدثه علامَ حدث في تلك الساحة عندما مد لي ذلك الطلب الذي أعده لي؟، فوجدته قد عرف تفاصيل الحكاية، فحدثني عن شغب المرأة الخمسينية وأختها في كل مرة يقدمن على تلك الإدارة، وٱصطناعهن لأعذار واهية، ليغتنمن فرصة للنباح وسطها، لكي تحظى كل واحدة منهن بدنانير عديدة من ذلك المسؤول، الذي يسعى فقط لضمان الهدوء داخل أرجاء تلك الإدارة المسؤول عنها.. عندها أدركت فقط معنى قول أحد ذلك الثلاثيّ: (مشاغبة وأختها، تلك عادتهن، إبتزاز من أجل مد اليد لهن).
أشرفت وصديقي على توديع بعضنا للقاء آخر في بداية الأسبوع المقبل، عندما أراه هناك، وأطلع على رد الكاتب العام حول الطلب الذي قدمته له.



