النسخة الرقميةثقافية

ليل علي بابا الحزين جمعية الثقافة للجميع تحتفي بالناقد والمترجم خضير اللامي

المراقب العراقي/ امل كاظم الطائي

وسط حضور نخبوي محب للرواية احتفت جمعية الثقافة للجميع بالناقد والمترجم الاستاذ خضير اللامي وحديثه عن رواية «ليل علي بابا الحزين» للروائي المبدع عبد الخالق الركابي، ادار الجلسة الشاعر جاسم العلي.استهلت المقدمة بالحديث عن السيرة الذاتية للناقد اللامي الذي تحدث مطولا عن رواية «ليل علي بابا الحزين»، وقال في مستهل حديثه: يؤلمني اني اتحدث عن الرواية بغياب الروائي عبد الخالق الركابي، الذي ترك بصماته لحبه للعراق في كل رواياته التي عبر فيها عن حبه وصدق انتمائه للعراق وألمه لما حلَّ به من خراب. واضاف: انطلق في سردي في هذا المقال، بوصف النص هذا نصاً قابلاً لمحمولات نصوص أخر، ويقول جوزيف فراي «إنّ التاريخ استرقاق وحتمية ، ويبقى الأدب هو المكان الوحيد الذي يمكن أن نكون فيه أحراراً».يروي الكاتب العراقي «عبد الخالق الركابي» في هذه الرواية حكاية تندرج ضمن «التخيّل التاريخي» الخاص بأحوال العراق في العصر الحديث، فيكون الاحتلال الأمريكي في عام 2003 منطلقا لإسقاط أحداث تاريخية واجتماعية جرت خلال الحقبة العثمانية، والبريطانية، والأميركية، للعراق طوال القرن العشرين وحتى اليوم، وتستعرض الرواية شخصيات ترمز لسنوات القتل العام وعلى الهوية الذي ضرب بلاد الرافدين، وشخصيات أخرى رافقت وصعدت على دبابات الاحتلال الأميركي، ومارست ضروبا من القتل والانتقام والفساد والخداع لتتسيّد للمشهد العراقي. يعزو الروائي ما حل بالعراق من تمزّق للنسيج الوطني من منطلقات عرقية وطائفية ودينية ومذهبية إلى الاحتلال الأمريكي الذي فجّر الأوضاع كلها، ما أدى إلى انتشار للكراهيات، واختفاء التسامح، واتساع رقعة الرغبة في الانتقام لتغطي العراق بكامله.ويضيف اللامي إن هذه الرواية كُتبت على وفق منهج ما وراء السرد Meta-Narration.، و إنها مزيج ما بين التناول التاريخي والتخيل التاريخاني.
إذ إن عبد الخالق الركابي يعيد انتاج التاريخ بطريقة التخيل، وإضفاء ظلاله على شخصيات الرواية وأحداثها وطريقة سردها، وليس سرداً تاريخياً كما تعامل جورجي زيدان في رواياته، مع التاريخ. ومَنْ يقرأ هذه الرواية، ينصرف ذهنه الى ان التاريخ الحديث للعراق هو القاسم المشترك في هذه المسرودات الكبرى، ذات النفس الطويل، وكأننا أمام إحدى روايات ليو تولستوي الملحمية، مثل رواية « الحرب والسلام. ومن هنا، دعونا ندخل في الماوراء الروائي، اذ يُعدّ «بدر فرهود طارش» الذي يزوره السارد بين الفينة والأخرى، بمثابة السجل الموثِق، أو الذاكرة المدوِّنة للأحداث في عهد الإحتلال البريطاني، في مدينة الأسلاف فيسارع السارد حاضناً ملفات ضخمة لمسودة مدوِّنته. وهكذا يتنقل السارد بين بلدة الأسلاف وبغداد، ليسرد له بدر وقائع وأحداث عهد الاحتلال البريطاني من خلال ذاته، وبعد ذلك يقوم السارد بمهام الروي ويتقاسمه مع بقية الشخصيات، وبدرهذا هو ابن بلدة الأسلاف والأسلاف بوصفها مكاناً تخيلياً للسارد، فإنه يعيد خلق هذا المكان، ربما لإندراسه أو لتآكله بفعل الزمن، « ليحاول اقناعنا بواقعيته وارضيته وان هذه المدينة تقع على الحدود العراقية – الإيرانية، يخلق منها المؤلف مدينة تضج بالأحداث والوقائع والحياة. تنهض الرواية على ثلاث عتبات تاريخية ذوات مدلولات رمزية وتشتمل على عناوينها الفرعية وتطبيقها على أرض الواقع السردي وهي:-
1- الخروج من المغارة .
2- افتح يا سمسم.
3-كلمات كهرمانة الأخيرة.
ولم يتناول السارد، مضامين تلك المحمولات،على وفق التسلسل الزمني – التاريخي ، إنما استخدم ما يُعرف بطريقة الإسترجاع Flash back، فهو على سبيل المثال، ينتقل في سرده من الأحدث الى الأقدم، والعكس صحيح فنراه وبعد الحرب الأهلية الساخنة والإغتيالات الواسعة ورمي الجثث في الشوارع، يعود الى زمن بدر فرهود الطارش ليسترسل في روي الرواية عن زمن المسز بيل أو ما يُطلق عليها شعبيا «الخاتون» الذائعة الصيت لدى العراقيين في زمن الاحتلال البريطاني، والمسترتيلر تومسون العميل البريطاني، ومسؤول المتُحف في مدينة الاسلاف، ص 292.
لذا سنتحدث عن الرواية،على وفق سياق هذا المقال في طريقة التناول. وبما أن المسرودة تحمل مدلولات ومرموزات تاريخية، فهي تطرح نفسها لمتلقيها وتمكنه من الغورعميقا في ثنايا متن هذا السرد الباذخ ليجترح نصه إياه، ولكن ثمة أسئلة تطرح نفسها علينا هنا، إن بدرالشخصية المشاركة في التدوين لمرحلة معينة من الروي، مرحلة الإستعمارالبريطاني، هو عرَّاب هذه الرواية اصلا.ويُعدُّ بدر ربيبا للإستعمار البريطاني، وكان محل عناية ورعاية تومسون دائما، الذي ادخله في ارقى المدارس البريطانية في بغداد وكانت سيارة المتحف بسائقها الهندي تحت خدمته توصله الى السفارة ثم تعيده الى منزله. ونرى ان الركابي السارد الأول في المسرودة، يستقي مادته من بطون التاريخ وأزمانه كما ألمحنا ذلك في معظم رواياته، التي يمسك السارد بخيوط عهودها التاريخية أو مادتها الأساس فهو يقول: «أنا أشعر أنَّ روايتي تكمن في تلك الاشياء المتنافرة: نصوص شفوية، ووثائق وتواريخ، وكتابات عرفانية، واخرى ادبية. فاضل ثامر، المبنى الميتا- سردي في الرواية ص 51 «. وهذه السايكولوجية النرجسية في السرد الروائي تمنح المؤلف المباشر «السارد» أحقية ادارة الأحداث والوقائع، وتوجيه سلوكات الشخصيات بطريقة فنية بعيدا عن السرد السِيَري فتمنح متن السرد الروائي ضخ دماء جديدة للسرد الروائي تكون أكثر مصداقية. عقب هذا الاستعراض الجميل للرواية بدأت المداخلات والتي شرفنا فيها مجموعة من الادباء والمثقفين وكان للروائي «شوقي كريم» المداخلة الاولى حيث قال ان مهنة الرواية لا تتحمل كل هذه المصطلحات مثل مصطلح»ما بعد السرد» ومصطلحات اخرى لا تكون في بال الروائي حين يكتب بقدر ما يهمه جمال متن الرواية وترابط احداثها الزمكانية واضاف ان الراوي اراد ان يسرد احداث العراق التاريخية من خلال شخوص الرواية متمثلة بشذرة وبدر واستطاع من ناحية اخرى ان يتجاوز هذه الشخصيات حين اشار الى نفسه كونه هو المدون التاريخي لتاريخ العراق فلعب دوراً تثقيفياً في سرد المعلومات التاريخية للمتلقي وهو اسلوب جميل واكثر واقعية لأنه عايش هذه المدة شخصيا واستقى باقي المعلومات التي اضافها للمسرودة من بطون كتب التاريخ.شاركنا الاستاذ عكاب سالم بالمداخلة الثالثة حيث استذكر جاره العزيز «خضير اللامي» وان لهم قواسم مشتركة كثيرة وكيف عادت علاقتهما من خلال موقع كتابات حين وردته رسالة دقيقة ومركزة من السويد «وقد اثار في نفسي شجوناً وشجوناً كما عشتها انت في الغربة فقد كنت اتذكرك واتساءل كيف واين اجد عنوانك؟، فليس من المعقول ان ننقطع عن اصدقائنا فبودي ان اعرف عنك الكثير وهذه الرسالة فتحت باب الاتصال بيننا، افرحتني ذاكرته جدا فاهلا وسهلا بك ايها المسافر العائد وشكرا لجمعية الثقافة للجميع التي جمعتنا بعد فراق». شاركنا في المداخلة الرابعة الروائي والصحفي محمد خضير سلطان حين قال:-ان توطين احداث التاريخ بالسرد شيء جميل ويترك انطباعا جميلا في نفس المتلقي والتمسك بمحاسن هذه الشخصية كشخصية «عروة بن الورد» حيث وصفه الرواة كشخصية اشتراكية تعين الفقراء والصعاليك وابعدوا عنه تهمة السرقة فالبسوه حلة لشخصية تليق بمقامه لمساعدته الفقراء، وكذلك استطاع الروائي الركابي باسلوبه ان يخلق شخصية اخرى من علي بابا تحدده بؤرة العنوان وتلقي الضوء على شخصيته الجديدة الحزينة بكل مكنوناته فهي تعكس انتماءه للوطن وما حلَّ به من فعل الغزاة والطامعين. كانت المداخلة الأخيرة للدكتورالساعدي الصديق التاريخي للناقد اللامي فحدثنا عن ايام الشباب الذي جمعته بالناقد وكيف كانوا يقضون جل وقتهم بمساعدة الفقراء في بناء بيوتهم وتعليمهم في حملات لمحو الأمية وحملات التلقيح ضد شلل الأطفال، فشُغلُهم الشاغل الوطن وهمومه، واستذكرا سويا اعتقالهما عام 1959 وكيف تمَّ تلفيق تهم لهم، هما منها براء، وسردا احداثا جميلة لعلاقة استمرت لاكثر من سبعين عاما مملوءة كلها طيب وتضحية ونكران ذات في العمل لأجل حلم تاقوا له لم يتحقق لغاية اليوم «حلم الحرية والعدالة والمساواة الاجتماعية وطفولة ترفل بالحياة والأمل». أُختتمت الجلسة بشكر جمعية الثقافة للجميع ولجنتها الثقافية وعلى رأسها الدكتور عبد جاسم الساعدي الذي شكر بدوره المحتفى به غريب الدارعلى حضوره وعلى ورقته النقدية الرائعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى