«ربيع فرنسا» .. أزمة حكم ونظام

سركيس أبو زيد
نهاية عام سيئة على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. فما كاد يلتقط أنفاسه ويستجمع قواه في مواجهة أسوأ أزمة اقتصادية إجتماعية تُرجمت في الشارع أعمال عنف وتخريب، حتى فاجأه «الإرهاب» بضربة موجعة في ستراسبورغ المدينة الفرنسية الواقعة على الحدود مع ألمانيا. تُعد ستراسبورغ مدينة رمزية، حيث تستضيف البرلمان الأوروبي وسوق عيد الميلاد الأكبر في أوروبا الذي يجذب ما لا يقل عن مليون زائر ما بين نهاية السنة وبداية السنة الجديدة. ولذا، فإن اختيار المكان ربما لم يكن محض صدفة لمن يرغب في إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا ويرغب في أكبر تغطية إعلامية. ماكرون تابع تطورات الموقف لحظة بلحظة فترأس اجتماعا للخلية الأمنية في وزارة الداخلية، كما ترأس اجتماعاً لمجلس الدفاع في قصر الإليزيه. وسارعت الحكومة إلى إعلان أنها رفعت حالة التأهب الأمني إلى الدرجة الأخيرة المسماة «التهيؤ لهجوم طارئ»، فرضت معها إجراءات رقابة مشددة على الحدود، ورقابة مشدّدة في كل أسواق عيد الميلاد في فرنسا. وكشف وزير الداخلية عن تعبئة إضافية للقوى الأمنية.لكن، برغم التعبئة التي قامت بها السلطات الفرنسية، فإن الحكومة تعرضت لانتقادات شديدة بسبب التقصير والعجز الأمني في منع حصول أعمال إرهابية. وتساءل لوران فوكييه، رئيس حزب «الجمهوريين» اليميني الكلاسيكي: ماذا ننتظر حتى نقضي على الأصولية التي أعلنت الحرب علينا ؟ وتذهب مارين لوبن، رئيسة «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في الاتجاه نفسه مطالبة بتغيير جذري للسياسة الحكومية إلى أثبتت فشلها. كما تدعو لوبن، إلى طرد الأشخاص الأجانب المسجلين على لوائح الاتهام واستهداف التنظيمات التي تحمل أفكارا متطرفة. في الوقت نفسه توسعت حركة «السترات الصفر» على الأرض الفرنسية وانضم إلیها مناصرون من قطاعات مختلفة. وتوسعت لائحة المطالب، فلم تعد اقتصادية ومحصورة بإلغاء الضرائب الجديدة، وإنما صارت سياسية وتصل الى حد المطالبة بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة واستقالة الرئيس الفرنسي . كان واضحاً، لمن يريد أن يفتح عينيه، أن حركة «السترات الصفر» تعكس مزاجاً شعبياً رافضاً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعها عهد ماكرون منذ البداية. والأمر الثاني أن الرئاسة والحكومة يغلب عليهما طابع التكنوقراطية التي لا تعرف حقيقة مشاكل الناس، لا بل إنها تنظر إلیها بفوقية. لذلك لم يعد أصحاب «السترات الصفر» والطلاب وحدهم في الساحة الاحتجاجية الفرنسية، إذ انضمت إلیهم شرائح قطاعية إضافية لتزيد المشهد تعقيدا: القطاع الزراعي، سائقو الشاحنات، سائقو سيارات الإسعاف وغيرهم من أصحاب المطالب الذين يرون أن الضعف الذي ألّم بالحكومة يشكل الفرصة المناسبة لانتزاع شيء ما في مهرجان المطالب المتكاثرة. حقيقة الأمر أن الفرنسيين حائرون، ويبدون عاجزين عن فهم ما حصل للرئيس إيمانويل ماكرون، الشاب الطموح الذي قبض على الرئاسة وهو تحت سن الأربعين. وجاء ببرنامج إصلاحي جذري يريد بموجبه إحداث تغييرات عميقة في المجتمع الفرنسي. ماكرون أراد أن ينقل فرنسا من عصر إلى عصر. عبر فوق الأحزاب التي داس علیها. محا الفوارق السياسية التقليدية، حين قدم نفسه خارج الأحزاب. لا يمين ولا يسار. إنه ماكرون الآتي من غير أن يخوض يوماً غمار أية حملة انتخابية أكانت محلية أو تشريعية. ليس خلفه حزب يدعمه ولا تاريخ سياسيا يستند إليه. روّج لنظرية «السلطة العمودية»، حيث القرارات تُتخذ في أعلى سلم الهرم وما على من تحت سوى التنفيذ. واستفاد من الغيبوبة التي ضربت الأحزاب بعد هزيمتين ماحقتين (الانتخابات الرئاسية والتشريعية). لكن اليوم، انقلبت الأمور رأسا على عقب. وأخيراً، في بادرة نادرة، اعترف بأنه لم ينجح في مصالحة الفرنسيين مع قادتهم. مشكلة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن طموحاته أكبر من قدراته، يريد أن يكون رجل أوروبا، ومنافس ترامب، والمؤثر في العالم. يريد كذلك أن يغيّر دور الدولة الفرنسية. كان ماكرون يحلم بأن يؤهل فرنسا لدور أكبر في أوروبا. وهو يعرف أن الأدوار في العالم الحالي تحتاج إلى اقتصاد عصري متحرر من أثقال الأفكار القديمة والتقديمات التي تمنع الاقتصاد من النمو والتقدم والمنافسة. يعرف أن على الفرنسيين تجرع أدوية مرة إذا أرادوا اقتصاداً قادراً على التكيف المتواصل واجتذاب الاستثمارات. من هنا شرع في إجراء بعض الإصلاحات. لكن سرعان ما التصقت بالرئيس الشاب صفة «رئيس الأغنياء». أخذوا عليه تركيز القرار في الإليزيه وعدم إعطاء المساحة الكافية للمؤسسات وللجهد الضروري لإقناع المواطن العادي. اتسعت الهوة بين الرئيس والشارع وانهالت الحملات والاتهامات. أدرك ماكرون متأخراً أن المسألة ليست بهذه البساطة، وأن الاحتجاج له أسبابه، ومنطلقاته الفكرية الأيديولوجية. وأن هذه الاحتجاجات ليست ظاهرة عابرة، بل تكشف عن صراع جوهري يطول نموذج النظام الاقتصادي للبلاد، وكذلك الشرعية الديمقراطية ونطاقها، فأي قرار سيأخذه وسط الهجمة الإرهابية التي ضربت مدينة ستراسبورغ، فالإيجابية الوحيدة بالنسبة لماكرون الواقع بين مطرقة العنف الباريسي وسندان الإرهاب ، تكمن في أن عملية ستراسبورغ حوّلت أنظار الفرنسيين واهتمامهم من المطالب والتظاهرات والشكوى من عدم تحقق الرفاهیة والعدالة الاجتماعية والضرائبية الى مكان آخر، وأيقظت عندهم هاجس الأمن والإرهاب كأولوية مطلقة. فهل ينحو ماكرون الى «الحزم والتشدد» أو الى الحوار والمرونة لاحتواء حركة المعارضة الصفراء ؟! هل يتجه الى قرار إقالة حكومة إدوار فيليب لامتصاص النقمة والإيحاء بتغيير، أم أن رئيس الوزراء سيسلك طريق الاستقالة في حال استمرت الأزمة في الشارع ؟! ومع هذه الاحتمالات يبرز السؤال: فرنسا الى أين ؟.



