النسخة الرقميةثقافية

ترشيق النص.. قراءة في شعر عبد الحسين فرج «تفاصيل قلقة» أنموذجاً

إسماعيل الكعبي

أكدت جميع مذاهب وتيارات النقد والبلاغة أهمية الإيجاز وضرورته في الشعر، حتى ذهب بعضهم الى ان ميزة القصيدة وفاعليتها وشعريتها في أنها تأسر مسافات لا حدَّ لها في قدم مربع واحد من الورق كما يقول ماكليش.فبعد ان استطال بعض النصوص الشعرية وامتلأت بالتعريفات والشروح والفلاش باك والمحسنات، وتهدل شعرها كلحية متسكع. واصبحت مثل كشكول يحتوي جميع الشروح والهوامش والتعليقات في سلة واحدة، اصبح لزاما على الشاعر الحديث وهو يقوم بكتابة نصه الجديد ان يتميز بالجدة والطرافة والتركيز المتقن الرشيق او كما قال ابن طباطبا (قصيدة الكلمة الواحدة). ونظام القصيدة القصيرة ليس جديدا على ادبنا العربي، حيث نجد ان ادبنا يزخر بنظام البيت الواحد والمزدوج والمقطعة، ولا يخلو شعر جميع الشعراء من ارسال البيت الواحد او البيتين على سبيل الحكمة، اما في الآداب الأخرى فنجدُ في الشعر الياباني من نوع التانكا والهايكو اختزالا شديدا للمشاعر والأهواء والحكم والأسئلة في مربع صغير من الورق.
ما سبق يصلح ان يكون مدخلا لعالم الشاعر عبدالحسين فرج (أمنياتي له بالشفاء)، فمنذ ديوانه الاول (عزلة البرتقال) حَرَثَ الشاعر في ارض القصيدة القصيرة جدا، او القصيدة الومضة السريعة التي تأسر القارئ، فهي تصفعه بالأسئلة، والأسئلة الكبيرة التي تنثال ضمن ثيمات مشتركة يجمعها الادهاش السريع الذي يضرب القارئ ويترك ردة فعله تأتي بهدوء.
حينما عاد الى وطنه
طالعته على الحدود
لافتة (الوطن يودعكم)
ـ ـ
حين سقط الصاروخ
على بيتنا
لم ينفجر
لكنَّه أحدَثَ «حفرة تصرخ»
ـ ـ
في ديوانه الجديد (تفاصيل قلقة) يطلق عبد الحسين فرج قصيدته على جرم الورق الأبيض مثل غزالة نافرة. وبياض الورقة لدى الشاعر عالم كامن في مخيلة بيضاء ينتقي منها نوافذه المشرعة على مملكة الأسئلة. بياض الورقة عند عبدالحسين فرج مثل كرة أرضية ثلاثة أرباعها تيه والربع الآخر قلق مستوفز متسائل.
ماذا أفعل بأجنحتي؟
غيري يطير بلا أجنحة..
ـ ـ
عندما تحاصرني الوحدة
أختنق
بالزحام
ـ ـ
يوما ما سأعيرك رأسي
لتفكر بالذي لم يفكر به
سواي
ـ ـ
جميع قصائد الشاعر تشترك بحمى الادهاش والدخول ضمن الحكاية اللمحة، والسرد القصير اليومي ضمن تداعيات بسيطة معاشة تتّخذ لدى الشاعر حيوات وعوالم أخرى. فاليومي البسيط يتحوَّلُ لدى الشاعر وعلى يديه الى ارباك اسطوري، فلسفي.
ضعي رأسك على
صدري لكي نحلم
بالوسادة
ـ ـ
عبوة
إن لم تغطها بجسدك
فستعري طفلك
ـ ـ
إمرأه تجلس في اللوحة تتأمل
وجها يتأمل اللوحة
في جميع قصائد الشاعر نلاحظ اختلاط الفلسفة بالفن التشكيلي والفوتوغراف، وربما اللوحة التشكيلية لدى عبد الحسين فرج تتمتع برؤية خاصة وانثيال آخر لا يتحسسه ويملك زمامه سوى الشاعر نفسه، وهذا يحيلنا الى التجربه التي هي صندوق الشاعر الخاص ومنظومته اللغوية التي لا يشاركه بها احد، والتجربة كما يقول «جويس» لا تحدُّ ولا تكتمل ابدا فالشاعر يغرف من بحار لا شواطئ لها وليس هناك مسافات لقياس حجومها.
ان نصوص الشاعر عبدالحسين فرج في ديوانه (تفاصيل قلقة) معرض لوحات في كتيب صغير، فهنا تجد اللوحات السوريالية والتعبيرية التي تختلط بالمأساة والتي يضفي عليها الشاعر ارهاصاته وتهويماته الكافكويه، وقد نجد في معرض لوحات الشاعر (فن الكولاج) باسلوب آخر غير الرسم، فكولاج الشاعر لون آخر يختص به وحده، ففي قصيدته او لوحته (رصاص) رسم الشاعر عصفورا:
حطَّ على شجره
أفزعه صوت رصاص
طار العصفور من الشجره
ـ ـ
حين ترك ظله على الطريق
تعثر به الماره
ظلي ينكسر على المائده
واضعا رأسي بين يديه
ـ ـ
اللعب باللغة لدى الشاعر يصل أحيانا الى تقويضها وبنائها من جديد على نسق آخر مربك للقارئ.
الصحيح عكس
ايضا طالما
العكس هو الصحيح
ـ ـ
ارفعوا أصواتكم
لكي. نمر
ـ ـ
الرصاصة مسرعة جدا
لا وقت لديها
لتقتله
ـ ـ
اترك ظلي خلفي واعود امامي
اجدني خلفه
أتساءل كيف صرت
ورائي
ـ ـ
لا احد يمتلك حس الصدمة سوى الشاعر، فهو كمانعة الصواعق يتشرب جميع الصدمات ويحيلها الى القارئ بتيار اقل فولتيه، يمتلك الشاعر عبد الحسين فرج لغة شعرية عالية ومتمردة ومشاكسة. ان امتلاك الشاعر هذه الريشة القادرة على رسم القصيدة الومضة، والتركيز الشديد واختزال الفكرة، والايغال في وصف تفاصيل مربكة في قليل من التعابير جعله يتبنى قصيدة الومضة.
أصرخ
أصرخ اكثر
لعلك تثير انتباه الصمت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى