ألوان النص النثري في كتاب «حفنة نور» للكاتبة الأردنية رنا حداد

سامر المعاني / الأردن
في هذا العنوان الجدلي (حفنة نور) ترسم لنا الكاتبة الصحفية رنا حداد باكورة أعمالها لوحة فنية، برغم كل الدجى من حولنا إلا ان القمر يزورنا كل مساء كوجهه القديم في بيوتنا المنيرة بالحب والصفاء، وحين كبرنا كان ما زال حالما معنا في سطور العشق كأغنية فيروزية تستحضر ذكريات الحنين ومواسم الخير، وهي تستحضر في عناوينها لبعض النصوص السردية (الجدة، بيوت الطين، ونساء الحارة) تحملنا الى تلك الايام التي عشناها على البساطة والمحبة قبل ان تنتقل قرانا الى مدن، ومدننا التي تحمل برغم زحمتها واسواقها بعضاً منا ومن حياتنا التي ارتحلت من تلك الأيام الى مدن ضخمة ابعدت المسافات وارهقتنا في العمل وتغيرت ملامحها ولهجاتها وتراكمت من حولنا عديدة الملامح.بين الشذرة والومضة القصصية والقصة والنص النثري تلونت رياض الكاتبة رنا حداد في مادة مبوبة ومفهرسة تحمل في نثرياتها مادة سهلة تناوبت بين اللغة المكثفة واللغة المتداولة والسهل الممتنع حيث ارادت في منتجها ان تكون تلك الحفنة التي لا تتوارى خلف الحروف لتفصح عن نفسها وبيئتها ورسالتها، فإن القارئ الحاذق يدرك بان هذا التنوع النثري في حفنة نور سيرسم الطريق أمام كاتبة سردية ستقف عند النص الموحد في منتجاتها القادمة، وهذا ما كان عند كثير من كتاب هذه الحقبة الزمنية التي تناوبت ثقافتها بين الأصالة والحداثة وتمازج الادب بين ثقافات العالم من خلال الانصهار الذي شكلته شبكات التواصل والترجمة وسهولة التنوع والاتصال بعيدا عن التأطير والانعتاق من التصنيف والتجنيس والتبويب.
(الحياة كذبة.. تعال نصدقها)! (سأسير عكس خطاك.. علني ألقاك)، تتسع الصورة الفنية والجمالية في المنتج الادبي مع اتساع المشهد والموضوعات والاساليب المستخدمة في المخطوط فهي اكثر رمزية في الومضة التي تتسم بالاقتصاد اللغوي والدهشة واتساع الافق في تحليلها وتأويلها وتجلياتها، وهو ما تمتاز بها الصحفية الكاتبة رنا حداد والتي اختارت لوحتها لحبيبتها عمان التي شكلتها وتشكلت بها. ومن الجانب الآخر نجد ان حداد كانت واقعية في القصة التي استخدمت اسلوب السرد المباشر وهي تنتقل بالمشهد عبر احداث ومفارقات في البيئة المكانية والبيئة الزمانية مع اختلاف الظروف وتسارع الايام التي نقلت المنطقة من الهدوء والبساطة الى وتيرة اكثر مادية ومتعبة، فما زال الحنين فينا يعيدنا الى تلك القلوب الساكنة في الحب وقد ارتقت بهما حداد بأسلوب كلاسيكي واقعي فهو من القلب الى القلب الذي كان جليا في كتابة الخاطرة والنص النثري.أكثر العناصر ولوجاً في حفنة نور ظهور عامل تأثير الوقت في جل النصوص عند حداد فقد رسمت المواسم بربيعه وخريفه وغنّته مطرا يغازل جوريات نيسان ويعاتب ورق اللوز المتساقط عبور الزمن الذي شكل طفولتنا لهذا العالم المادي من حولنا، وتراقصت سطورها حين يغفو الثلج بيوت الطين العتيقة بالأصالة، لتكون بحنانها وصلابة عشقها اكثر دفءاً وجمالا ويبقى الصيف السمر والحياة التي لا تغفو هذا وكان لكل برهة من اللحظات استحضار عند حداد فالفجر والغروب والسمر والقمر والاعياد باقات معطرة بالذكريات والامل ومنها (ايلول والمطر والشتاء والغيم).
(عقارب الوقت.. بوصلتها اليك)، (هذا الصيف يشبهنا.. يحبُ المطر)! في حفنة نور تستهل الكاتبة عناوينها من اقوال مأثورة لعلماء وفلسفيين وادباء لتستهل النص النثري من نضوج فكرة وهدف له تصوره وملامحه لترتقي بمادتها بين اجمالية الوصف وفكرة الحرف والحالة الخاصة للفكرة العامة من حيث الجانب الحياتي او الخيال السارح في ذهن الكاتب حيث تتسع المشاهد في فتح الافاق عند المتلقي مع اتساع ثقافته وخصوصا في فن كتابة الجملة الادبية التي تتعدد تسمياتها كالومضة والشذرة والقصة القصيرة جدا.استطاعت الكاتبة رنا حداد ان تنقلنا ببعض نصوصها من الحنين والحب والعاطفة والالم والواقع المتعب الى جانب اخر، وهو بالتأكيد جانب ابداعي ليس بالسهل، وهو الكتابة او النهاية المغايرة حد التهكم والسخرية في اظهار المادة الادبية بالعموم، او كنهاية لنقل مشهد ربما لا نمتلك القدرة على وصفه بدقة لغرابته واعوجاجه الا بتشبيه غير منطقي او صورة تشبيهية ساخرة، وهو من اكثر الالوان والاجناس الابداعية قبولا عند المتلقي الذي تتكرر الجمل الوصفية والتعبيرية للواقع المرير والحياة المادية لهذا الزمن فتاتي دهشة النهاية غير المتوقعة.رنا حداد دقيقة المعنى رشيقة الحرف تسطر في باكورة اعمالها نمطا ابداعيا واسلوبا متميزا سطرت في منتجها اسلوبا خاصا بها يشبهها ويمثلها مع انتشار كتب الجملة الادبية والومضة والشذرة في الوقت الحاضر، حيث الكثافة اللغوية والدهشة متعددة الجوانب والاقتناص الذكي للفكرة التي تأخذ متسعا وابوابا للانطلاق والتأويل في خيال المتلقي.(لم يعد في الغرفة متسع: لملمي «حاجاتك».. وارحلي ايتها الذاكرة)!
ان الانماط الابداعية في المادة السردية مهما كانت تسميتها انتقلت الى المتلقي العربي منذ عقود وبصورة مستقلة او ملحق ككتيب او كفصل في نهاية المؤلف عند نزار قباني والماغوط، ناهيك عن ورود بعضها داخل النصوص القصصية والرواية عند مستغانمي وغادة السمان، ومن هنا كان حفنة نور بصورته الملونة مضمونا وشكلا فكان العشق وكان الفراق وكان الفجر وكان الغروب مادة عميقة المضمون والرؤى لكاتبة، بالإضافة الى هذا المنتج فهي كاتبة مقالة وللحرف قدسية في حياتها فلم يفارقها القلم لتكتبنا وتكتب مشهدنا اليومي كصحفية لتزورنا كاتبة جورية تلونها في كل نص, فما ان بدأت لن تتركك حفنة النور لتعبر رحلتك الشيقة حتى الفهرسة, تارة تسكنك الفكرة وتارة الانماط المتعددة من الاجناس النثرية بظلالها الماتعة، برغم ان من الحروف ما يشعل فينا نيران متعبة وموجعة فهي الانسانة ابنة الارض والحياة.



