العدو الاسرائيلي وسباقه على القوى الكامنة

إيهاب شوقي
يعرف الدارسون للسياسة ان هناك فروقا دقيقة بين مفهوم التوازن الدولي أو الإقليمي وبين مفهوم الاستقرار. وان ابرز ما يفرق بين كليهما هو الجانب القيمي المتعلق بالرضا عن التوازن، فإذا كان احد الاطراف غير راض عن هذا التوازن فهو يهدد الاستقرار، بينما يمكن ان يتحقق الاستقرار حتى في غياب التوازن اذا سادت قيم التعايش وانتفت المطامع. وهناك انواع من التوازنات، ولكن أبرزها ما ساد بعد الحرب العالمية الثانية، وأثناء ما اصطلح عليه بالحرب الباردة، حيث ساد توازن الرعب، وهو الذي شكل دور رادع لعدم تكرار حروب عالمية، ولكن حدثت الحروب في المناطق والأقاليم التي اختل بها هذا التوازن. والتوازن الاقليمي لا يقوم فقط على توازن ذاتي للدول المشكلة للنسق الاقليمي، بل يدخل في تشكيله ايضا، نفوذ القوى الدولية وعمق التحالفات وطبيعتها. وفي منطقتنا التي تعرف استعماريا بالشرق الاوسط، اختلت التوازنات التي سمحت بنشوب الحروب، لأسباب معقدة وتبعا لمعادلات رياضية اطرافها متانة التحالفات مع القوى الكبرى والقوى الذاتية لأطراف الحروب عسكريا واقتصاديا واجتماعيا.وظلت تجاذبات القوى الكبرى تكاد تكون متعادلة، بما ترك مساحة لتوازنات القوى الذاتية لتفرض معادلاتها، حتى اخل العرب انفسهم بكفة ميزانهم بالتسليم لقوة امريكا واعتبار أوراق اللعبة بيدها، فأصبح الخصم حكما، وتوالت الانهيارات. واليوم بعد عودة تعدد الاقطاب، وبعد ان شغلت روسيا والصين فراغا اعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، عادت القوة الذاتية لتلعب دورا كبيرا في التوازن، وبعد تنامي محور المقاومة، وخلق توازن للرعب، صار هناك نوع من التوازن الاقليمي، ولكن لا يتحقق بناء عليه الاستقرار الاقليمي، بسبب خلل الجانب القيمي، والذي يرفض معه العدو الاسرائيلي هذا التوازن الاقليمي، والذي ترفض معه امريكا ايضا هذا التوازن الدولي. من هنا تأتي خطورة الأوضاع حيث رفض التوازن يهدد الاستقرار وينذر بالحرب، فما بالنا لو كان توازنا للرعب، وهو ما ينذر بأن الحرب ستكون من النوع المدمر، وستكون أي حرب اقليمية غير مسبوقة في دمارها، وأي تطور عالمي يشكل حربا عالمية، ستكون غير مسبوقة في الابادة والخراب. ولأن العدو الصهيوني والأمريكي يعلمان جيدا هذه المعادلة، فقد لجأ معسكرهم لتصدير الدمار والإبادة لداخل الاقليم وظلت اهدافهم وخططهم تدور حول مقاربات رئيسة أهمها القضاء على مفهوم قومية المعركة ووجدانيتها للإخلال بالتوازن، وهو باختصار مفهوم الصراع العربي الاسرائيلي أو وجدانية ودينية المعركة، بحيث لا ينضم العالم الاسلامي للصراع، وذلك بمحاربة الوحدة، وتفتيت الدول القومية وجيوشها، وعلى الجانب الاسلامي بزرع الفتن المذهبية، وذلك لحرف مسار الصراع وتشتيت القوى، بل وضربها ببعضها البعض. الحيلولة دون بناء القوى الذاتية، عبر فرض انماط اقتصادية تابعة، والقضاء على مفاهيم التنمية المستقلة والإنتاج والاقتصاد المقاوم، وكذلك التبعية في التسليح والحفاظ على التفوق الصهيوني، وإتباع منطق الحصار لأي مقاومة وأي قوى واعدة تستطيع احداث توازن الرعب. محاربة القوى الكامنة والتي يمكنها الانتفاض على الانظمة وتغيير النمط السائد والمستقر منذ كامب ديفيد، وهذه القوى الكامنة هي المتعلقة بالشعوب وقواها السياسية والاجتماعية ووعيها وإيمانها وارادتها، فكان مضمار الوعي والإرادة هو المضمار الرئيس للحروب ولا يزال، بل ويتكثف حاليا ليصبح مضمارا رئيسا وجبهة متقدمة. لماذا لا نتساءل حول انتفاء وجود منظمات دولية وحقوقية تنتقد تزييف الوعي وتزوير التاريخ، مثلما تواجه وتنتقد القمع ؟ أليس الوعي حقا أصيلا من حقوق الانسان ؟ ببساطة يعرف الغرب ان القمع يمكن ان يفجر القوى الكامنة ويستفزها للإطاحة بالنظام السائد، وبالتالي فهو يحاول التسكين والحيلولة دون هذا الانفجار، بينما قمع الوعي وتزييف الحقائق وحرف المسارات هو المطلوب للقضاء على هذه القوى. إن اطراف المواجهة سواء في معسكر الهيمنة والاستكبار أو في معسكر المقاومة، تتعامل مع جبهة الوعي، بمثابة جبهة متقدمة للصراع، وبعد حدوث توازنات عسكرية وسياسية، ووجود مقاومة اثبتت جدارتها في التصدي للهيمنة، بقي الصراع والتنافس على القوى الكامنة بالشعوب، بمثابة كعكة كبرى، وعامل مرجح للانتصار. ومع تغير وتطور مكونات الوعي ووجود اساليب حديثة لتشكيل هذا الوعي، نرى تكثيفا من قبل معسكر العدوان في استخدامها، وأصبح لزاماً على انصار المقاومة الاصطفاف في وجه هذا التزييف وهذه الحملات. ان المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي وكمية المواد التي تنشر عليها ضد المقاومة، يعلم مدى أهمية هذه المواقع للعدو ناهيك عن مئات وآلاف المواقع والصفحات و وسائل الاعلام والتي تستغل كسل المعرفة واستسهال الشعوب للصورة بديلا عن القراءة، في تزييف الوعي وزرع السلبية وسلب الارادة. كذلك زيارات التطبيع مع دول خليجية ومحاولات تشكيل الناتو العربي المزعوم، كل ذلك يمكن فهمه في هذا السياق الحارف للصراع والنازع لقومية المعركة. ربما تستفيق الشعوب نتيجة كارثة أو نتيجة حرب مدمرة، وربما يكون المشوار طويلا لاستعادة وعيها وإيمانها وحماستها، ولكن المطلوب الاصطفاف للتوعية والتثوير لإقامة الحجة من جهة، ولضمان سلامة البوصلة عند اي انفجار متوقع من جهة اخرى. ان صفقة القرن المزعومة لن تمر إلا اذا تم تحريف الصراع وتم اضعاف القوى الكامنة، والمواجهة الصحيحة لهكذا صفقات، تكون بالثبات على أسس الصراع وعلى قومية ووجدانية المعركة والوحدة في خوضها، والمحافظة على القوى الكامنة واستقطابها في الاتجاه السليم وهو جانب المقاومة. كل من ينحرف عن هذه الاسس ويبتكر صراعات اخرى، أو يعمل على اضعاف القوى الكامنة سواء بتزييف الوعي أو سلب الارادة، وكل من يخل بالقوى الذاتية عبر اقتصاد تابع وتسليح مشروط وعاجز، كل هؤلاء بعيدون عن المعركة ومصطفون مع العدو بوعي أو من دونه ، على هذا يكون الفرز على الوعي والوحدة والتحرر والاقتصاد المقاوم.



