النسخة الرقمية

منبر الهداية … إستقامة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد كانت استقامته (النبي) استقامةً لا يمكن الإشارة إلى مثلها في التاريخ البشريّ. لقد أظهر استقامةً، استطاع من خلالها تأسيس هذا البناء الإلهيّ المحكم الأبديّ. وهل كان يمكن ذلك من دون الاستقامة؟ باستقامته أصبح ذلك ممكناً, باستقامته، ربّى هكذا أصحاب, باستقامته، أقام في ذلك المكان الذي لم يكن أحد يتصوّره، خيمةَ التمدّن البشريّ الخالد، وسط صحراء الحجاز القاحلة, ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾..يخاطب الله تعالى النبيّ في سورة هود بقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ . جاء في رواية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «شيّبتني سورة هود» , وحين سُئل: أيّ موضع منها؟ قال: هذه الآية ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. لِمَ تشيّب الرسول؟ لأنّ هذه الآية تقول: اثبت واستقم على هذا الطريق كما أُمرت واصبر عليه. وهذا الثبات نفسه أمر صعب. هذا هو «الصراط», الصراط الذي صوّرته لنا الآيات يوم القيامة. إنّ باطن عملنا وطريقنا في هذه الدنيا هو الصراط نفسه. إنّنا الآن نسير على الصراط, علينا رعاية الدقّة. إذا أراد الإنسان أن يراعي الدقّة في كلّ أعماله، فإنّ ذلك سينتهي بمشيبه. لكنّ الأهمّ من هذا كلّه، بنظري، الجملة التالية:﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾. لم يكن النبيّ وحده المأمور بالاستقامة, لا بدّ أنّها تأمر جموع المؤمنين العظيمة، بالاستقامة على هذا الطريق. فالناس الذين هم من ناحية، في معرض هجوم البلايا، ومشاكل الحياة: الأعداء، المتآمرين، المتربّصين شرّاً، والقوى المسيطرة – ومن ناحية أخرى، هم مورد هجوم أهوائهم النفسانيّة: رغبات الإنسان النفسانيّة، ونفسه العديمة الصبر التي تميل إلى زخارف الدنيا وتنجذب نحوها – ينحرفون عن هذا الصراط يمينًا أو شمالًا. إنّ حبّ الذهب والفضّة، وحبّ المال والشهوات الجنسيّة، وحبّ المنصب وأمثالها، هي أمور يضع كلّ منها رسنًا في عنق الإنسان وتجرّه نحوها. إنّ المقاومة والثبات في مقابل هذه الأمور بحيث لا تزلّ قدم الإنسان، وتثبيت المؤمنين في الخطّ المستقيم بين هاتين الجاذبتين القويّتين: جاذبة ضغوط الأعداء وجاذبة الضغط النفسي للقلب المنقاد للأهواء, وهدايتهم: «ومن تاب معك»- أغلب الظنّ أنّها هي التي شيّبت الرسول .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى