ثقافة الحقوق عند الامام زين العابدين «عليه السلام»
أن نظرة الإمام للمجتمع وللعصر الذي كان يعاصره تختلف عن نظرة بقية الناس فهو ينظر (بعين الله) بلا شك، ولهذا فقد نظر الإمام الحكيم بعمق وشمول للإنسان، ودرس جميع أبعاد حياته وعلاقاته مع خالقه ونفسه وأسرته ومجتمعه وحكومته ومعلّمه..وفي عصر الطغيان والجبروت، وتفشّي الأوضاع المادية، واستعلاء الانحراف والفساد، ذلك العصر الذي تميز بقتل سيد شباب أهل الجنة، والتعدي بكل (وقاحة) على حرمة رسول الله، وفي ذلك العصر الذي ضربت فيه الكعبة المشرفة بالمنجنيق، في مثل هذا العصر كان لا بدَّ من تذكير الناس بأيام الله.وحملهم على قصد السبيل المشرق. وردِّهم إلى منابع الشرف والكرامة..فألف الإمام زين العابدين دستوراً في السياسة. ومنهجاً عاماً في الأخلاق الاجتماعية وهنا نود أن أسلط الضوء على بعض من هذه الحقوق وأطلق عليها بـ ( الحقوق العائلية ) ذلك لأن مجتمعنا يفتقر لمثل هذه الثقافة.
حق الأم
يقول: (فحق أمك أن تعلم أنها حملتك، حيث لا يحمل أحد أحداً، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحد أحداً،…).ما أعظمها من إنسانة تتحمل كل هذه المشاق، وتضحي بحياتها لأجلك!!، فماذا تكون مكافأتها؟كثيراً ما تظل الأم ساهرة الليالي لأنك مصاب بالحمى، وكثيراً ما تبكي ألماً لمجرد حادثة بسيطة تعرضت لها… ومع هذا فإننا نقابل كل هذا العناء بجفاء في الكلمة والنظرة.
حق الأب
(وأما حق أبيك فتعلم أنه أصلك، وأنك فرعه، وأنك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، وأحمد الله وأشكره على قدر ذلك، ولا قوة إلا بالله…)..يكفي أن يعرف الإنسان هذه النعمة (الأب هو أصلك)..إن الوالدين يكونان بحاجة ماسة لمثل هذه الحقوق في جميع المراحل العمرية لهما ولكن تتأكد الحاجة لهذه الحقوق في حالة بلوغهما الكبر (الشيخوخة) ففي مثل هذا العمر يكونان قد أعطيا كل ما لديهما من طاقة لأبنائهما، ولهذا لا بدَّ من رعايتهما أفضل رعاية وتوفير سبل الراحة إليها وجعلهما يعيشان حالة من الراحة الرغيدة والعيشة الهنيئة.
حق الولد
(وأما حق ولدك فتعلم أنه منك، ومضاف إليك، في عاجل الدنيا بخيره وشره، وإنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب، والدلالة على ربه، والمعونة على طاعته فيك وفي نفسه فمثاب على ذلك، ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره فيه في عاجل الدنيا، المعذر إلى ربه في ما بينه وبينه بحسن القيام عليه، والأخذ له منه ولا قوة إلا بالله…)..إن الكثير من الأبناء إنما يمارسون سلوكيات وعادات سيئة بسبب غياب الرقابة الأبوية عنهم، ولأن فاصلاً وحاجزاً قد فصل بين الأبناء والآباء، ويعود السبب في ذلك لغياب هذه الثقافة … فمثاب على ذلك، ومعاقب…)
وأن ندرس هذه الكلمات الرسالية، التي خطها الإمام زين العابدين ليرسم لنا الخط الوحيد في بناء المجتمع الإسلامي القائم على مراعاة الحقوق، ليرسم لنا ملامح المجتمع القائم على النظام والقانون.وما أحوج مجتمعاتنا لتدارس هذه الرسالة وتطبيقها، فهي اليوم في أمس الحاجة لمثل هذا النور الذي يبدد سحب التخلف والتيه الاجتماعي.



