الاخيرةالنسخة الرقمية

العزلة الرقميَّة تُنذِرُ بفقدان الأجيال القدرةَ على التفاعل الإنساني

سيطرة وسائل التكنولوجيا على الحياة العصرية، وتراجع التواصل الاجتماعي بين الناس يهددان باعتلال المشاعر الإنسانية، وفقدان البشر القدرة على التفاعل مع العالم المحيط بهم.
يولد الطفل وهو مهيأ بشكل تلقائي لحب الآخرين والتعاون معهم، وهذه المهارات العاطفية تعدُّ رغم أنها غير مرئية جزءا حيويا في حياة جميع البشر، وكلما تقدم الطفل في العمر تبدأ تلك المهارات بالتطور بفعل المحادثات اليومية ومخالطة الأقران والتفاعل الفكري والعاطفي مع المحيطين به.إلا أن المستقبل ينذر بفقدان الأجيال المهارات العاطفية، بسبب سيطرة الأجهزة التكنولوجية على حياتهم، وبقائهم لساعات طويلة معها، وهو ما قد يجعلهم ينفصلون عن الواقع الذي يعيشون فيه، ويفقدون تدريجيا القدرة على التقمص العاطفي لمشاعر الآخرين والتجاوب معهم حسيا وفكريا.
وفي السنوات الأخيرة حدثت طفرة كبيرة في استخدام الأجهزة التي تعمل شاشاتها باللمس، ما جعل الأطفال والمراهقين وحتى البالغين يشعرون بشغف كبير تجاهها، بل ويفضلونها على الجلوس مع إنسان حي يتنفس ويتحدث معهم ويجلس قبالتهم على الطاولة. ومثل هذا الأمر يطرح سؤالا مثيرا للقلق حول مدى قدرة الأجيال القادمة على التعامل بشكل إنساني مع أنفسهم ومع الأشخاص المحيطين بهم؟
ويحذر الخبراء من احتمال أن يجعل العشق المتنامي للأجهزة قصة حب الأطفال والمراهقين للتكنولوجيا مدمرة لقدرتهم على الوجود بأفكارهم ومشاعرهم مع الآخرين، وربما تأتي على جزء مهم من مهاراتهم العاطفية، التي تلعب دورا في النجاح الأكاديمي والوظيفي، والقدرة على ربط علاقات اجتماعية ناجحة في مراحل لاحقة من العمر.
ويعتقد الخبراء أن مراعاة مشاعر الآخرين، والسلوكيات المؤيدة للتعاون، هي التي تحفز على التصرف بشكل أكثر كرما وتسامحا، وهي أيضا ما يؤدي إلى الحفاظ على مجتمع متعاون ومترابط اجتماعيا.
وأشارت كيت ليستر، رئيسة شركة “غلوبال وركبليس أناليتيكس″ المتخصصة في تحليل استراتيجيات أماكن العمل، إلى أن الذكاء العاطفي الاجتماعي يشهد تراجعا حاليا، مشددة على أن الناس في انهماك مستمر مع أجهزة الكمبيوتر بدلا من وجودهم في ساحات الملاعب.
وقد تتبع الباحثون على مدى عدة سنوات تراجعا ثابتا في الذكاء العاطفي، ففي عام 2010، توصلت إحدى الدراسات الصادرة عن جامعة ميشيغان الأميركية إلى أن طلاب الجامعة أظهروا تعاطفا أقل مع زملائهم بنسبة 40 بالمئة مما كان لدى الطلاب قبل عشرين عاما.
ولا يعني الذكاء العاطفي درجة في اختبارات الذكاء، إلا أنه مع ذلك يحدد ما الذي يريده الإنسان في الحياة، ويأتي في شكل مهارات متعددة، تدفع الأشخاص إلى أن يصبحوا مواطنين صالحين بشكل فعال.
وعرف الكاتب الأميركي دانييل جولمان الذكاء العاطفي بأنه الاستخدام الذكي للعواطف مبرزا دوره في التأثير في علاقات الإنسان المختلفة، سواء علاقته مع ذاته أم علاقاته مع الآخرين، مثل الأهل والأصدقاء وزملاء العمل.
وعدّ جولمان أن الشخص يستطيع أن يجعل عواطفه تعمل من أجله أو لصالحه باستخدامها في ترشيد سلوكه وتفكيره بطرق ووسائل تزيد فرص نجاحه، سواء كان في العمل أم في المدرسة أم الحياة بصورة عامة.
ويعدُّ الذكاء العاطفي مُهمّاً جدا في مجالات وظيفية عديدة ما زالت محافظة على وجودها في ظل غزو الآلات لأماكن العمل وتسريح الملايين من الموظفين حول العالم، ويبدو أن هناك حاجة ماسّة إلى المزيد من العاملين في مجال رعاية المسنين وتقديم الرعاية الصحية في ظل ازدياد الأمراض المزمنة في الكثير من الدول، وتقول منظمة الصحة العالمية إن العالم سيحتاج إلى 40 مليون موظف في القطاع الصحي بحلول عام 2030، وإننا سنعاني بحلول ذلك الوقت من نقص ما يقارب 18 مليون موظف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى