منبر الهداية … أبعاد حركة الإمام الحسين «عليه السلام»
يدرك المرء أن بإمكانه النظر إلى النهضة الحسينية بمنظارين في الواقع، وكلاهما صحيح، سوى أن مجموعهما يكشف عن الأبعاد العظيمة لهذه النهضة؛ فالنظرة الأولى تكشف عن الحركة الظاهرية للحسين بن علي(عليهما السلام)، والتي قام بها في مواجهة حكومة فاسدة ومنحرفة وظالمة وقمعية وهي حكومة يزيد. وأما باطن القضية وعمقها فتكشف عنه النظرة الثانية، وهي الحركة الأعظم والأعمق، لأنها ضد جهل الإنسان وضلالته. فمع أن الإمام الحسين قام بمقارعة يزيد في الواقع، إلا أن هذه المقارعة الواسعة التاريخية لم تكن ضد يزيد الفرد الفاني الذي لا يساوي شيئاً، بل كانت ضد جهل الإنسان وانحطاطه وضلالته وذلّه، وهو ما يكافحه الإمام الحسين في الحقيقة…وأن يستطيع الإمام الحسين (عليه السلام) التغلب على حكومة يزيد واسترداد السلطة من يد أولئك الذين يقمعون الناس ويتلاعبون بمصيرهم ووضع الأمور في نصابها الصحيح؛ فلو كان قد حدث ذلك لتغيرت مسيرة التاريخ..وعدم تمكن الإمام الحسين من إحراز هذا النصر السياسي والعسكري لأي سبب من الأسباب، وعندئذ لم يكن أمامه سوى استبدال القول بالدم والمظلومية وتحمّل الخسارة التي لن ينساها التاريخ على مدى الزمان، لتبقى كلمته تياراً جارفاً لا ينقطع إلى أبد الدهر. وهذا هو ما فعله الإمام الحسين وفي الحقيقة لو كان الذين يدعون الإمام قد وقفوا موقفاً آخر غير الذي اتخذوه مع الإمام الحسين(عليه السلام) لتحقق البعد الأول للثورة ولاستطاع الإمام إصلاح الدنيا والآخرة في ذلك الوقت، ولكنهم قصروا في حقه!أما لماذا قصروا، وكيف قصروا، فإن ذلك من الأبحاث الطويلة والمريرة، وقد تحدثت عن بعض جوانبه منذ عدة سنوات تحت عنوان (الخواص والعوام)؛ أي من الذين قصروا، وعلى من يقع هذا التقصير، وكيف كان، وأين كان؟ وهو ما لا أريد الخوض فيه مرة أخرى.. وعلى هذا الأساس فقد وقع التقصير من البعض وهو ما حال دون تحقق الهدف الأول، بينما تحقق الهدف الثاني، وهو ما لم يكن بوسع أية قوة كانت سلبه من الإمام الحسين(عليه السلام)، حيث إن قوة التوجه إلى ميدان الشهادة، والتضحية بالنفس والأعزة، هو ذلك الحدث العظيم الذي تضاءلت وتلاشت أمام عظمته قوة العدو وجبروته، وهو الذي يمنح الشمس المزيد من الازدهار والتألّق يوماً بعد آخر في عالم الإسلام ويحيط بكل البشرية.



