ثقافية

هامسون.. صاحب «الجوع» ونوبل وهتلر

oi'[op[o

يقول الكاتب الأمريكي الكبير “إرنست همنجواي”، صاحب رواية “العجوز والبحر”: “هامسون هو من علمني أن أكتب“.افتتحت الرواية الأولى للكاتب النرويجي كنوت هامسون، والتي حملت عنوان “جوع” (1890)، روايات القرن العشرين بما تميزت به من استخدام أساليب “تيار الوعي” و”المونولوج الداخلي”، والتي أثرت بشكل كبير في أعمال كل من “توماس مان”، و”فرانز كافكا”، و”هنري ميللر”، و”هيرمان هيسه”.“تيار الوعي” أو “تداعي الذاكرة” في النقد الأدبي هو التقنية الأدبية التي تسعى لإظهار وجهة نظر الشخص من خلال صياغة تسلسل الأفكار بصيغة كتابية، هذه الأفكار إما أن تكون محادثة داخلية غير مترابطة، أو تكون متعلقة بأفعال وتصرفات الشخص، ويختلف عن تيار السرد النظامي للعالم الخارجي والذي كان يميز الأسلوب التقليدي الكلاسيكي. أما “المونولوج الداخلي” فهو حديث الشخصية الروائية مع نفسها، أي مناجاتها لنفسها.تتناول رواية “جوع” حياة الكاتب الفقير الذي لا يملك قوت يومه، ويتجول في بوهيمية -كما الكثير من شخصيات هامسون- بحثًا عن عمل ومكان يؤويه. لكنه، رغم فقره الشديد، يحاول الحفاظ على مظهره أمام الآخرين؛ بل ويبلل ركبة بنطاله الذي صار لامعًا من الاستهلاك.كما يحاول الشاب الحفاظ على شرفه وأخلاقه بشتى الطرق، فرغم ما يعانيه ورغم أنه يلعن أحيانًا السماء على حظه العاثر؛ إلا أنه يؤنب نفسه كثيرًا إذا اضطر للسرقة ويرى رهن بطانية بالية لا يملكها عملًا غير أخلاقي. يقول البطل الذي لم نعرف اسمًا له:“ببساطة، إحساسي بالشرف هو ما أبقاني حرًا، وعلى الأقل فهو ما أبقاني حيًا إلى الآن“.لكنه يعود في موقع آخر ليحاول مَنطَقة بعض التصرفات بعدما يكاد يفنى ويموت جوعًا: “إنك أفقر من أن تحمل ضميرًا؛ فأنت جائع”. ويتضح أن الكثير من أحداث الرواية التي بين أيدينا تستلهم من السيرة الذاتية للكاتب؛ فكنوت هامسون ولد في عائلة ريفية فقيرة عام 1859، وعاش حياة التشرد حين سافر إلى أمريكا وعمل بوظائف شتى تنتمي إلى قاع المجتمع، وقد كره المادية الأمريكية والاستعمارية البريطانية والسوفيتية؛ فكان يفتخر بأصوله الريفية، ويرى أن المدينة تدمر الإنسان، حتى إنه أفتتح رواية “جوع” قائلًا:“حدث ذلك خلال الأيام التي كنت أهيم فيها وأنا أتضور جوعًا في كريستسيانيا (الاسم القديم لمدينة أوسلو عاصمة النرويج)، وكريستيانيا لا يستطيع المرء أن يتركها دون أن يحمل معه آثارًا من مدة إقامته بها“.أما الآثار فكانت مدمرة، حتى إن الجوع أدى لتساقط شعر البطل بكثرة، كما لم تعد معدته تتحمل أي وجبة دسمة يبتاعها ويكون لديه بعض المال؛ فيتقيأها على الفور، هذا بالإضافة إلى خيالاته وثوراته وهذيانه حين تصيبه حمى الجوع: “جعلني الجوع ثملًا“.وهكذا، فقد برع الكاتب في تصويره للحالة النفسية والجسدية للبطل، حتى إنه لا يستخدم زمنًا واحدًا للفعل للدلالة على الاضطراب، وكان هامسون نفسه قد أصيب باضطرابات نفسية مزمنة في صغره إثر ضرب عمه له وتجويعه، وهو ما قد يفسر إحالته لمصحة نفسية بدلًا من الحكم عليه بالإعدام؛ بعدما كان من أعتى مؤيدي ألمانيا وهتلر والنازية خلال الحربين العالميتين، حتى إنه بعث لهتلر بميدالية جائزة نوبل للآداب التي حصل عليها عام 1920، وقابله شخصيًا، بل وكتب أيضًا مرثية يمدحه فيها بعد خسارة ألمانيا للحرب وانتحار هتلر.ظهرت ميول كنوت هامسون العنصرية في كتابه “الحياة الثقافية في أمريكا” عام 1889، والذي انتقد فيه امتزاج الأجناس البيضاء والسمراء، كما نجد لمحات لتأثير العالم الخارجي على البطل في رواية “جوع” توضح تقززه من كبار السن ومن يعانون من بعض العاهات، والطريف أن كنوت هامسون نفسه كان معمرًا؛ حيث توفي عام 1952 عن 92 عامًا.يحكي قائلًا: “العجوز الأعرج كان ما يزال يهرول أمامي في الشارع بحركاته الملتوية. وبدأ منظر هذا المخلوق العاجز في إغاظتي”، ويقول أيضًا: “كانت نظرته عمشاء فتركت في نفسي انطباعًا مقززًا”.

تميل الرواية إلى خط ساخر في تناولها للأحداث، وهو حيادي في ذات الوقت؛ فرغم حالة التشرد التي يعيشها البطل والتي قد يتناولها كتاب آخرون بطريقة أكثر ميلودرامية؛ إلا أن هامسون اتخذ الخط الساخر والأصعب في الاستخدام من السرد المأساوي.صدرت طبعة “جوع”، التي نعرضها هنا، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر (2014) بترجمة الشاعر والكاتب والمترجم شرقاوي حافظ، وقد تُرجمت إلى العربية من قبل، وكانت الترجمة سلسة وثرية وخالية تقريبًا من الأخطاء. وقد طرح الكاتب اللبناني الكبير عبده وازن -في مقال بجريدة “الحياة”- سؤالًا يقول فيه: “هل كان يعلم الروائي المصري محمد البساطي عندما سمى روايته الجديدة (جوع)، دار الآداب، أن هناك رواية عنوانها (جوع) كتبها عام 1890 روائي نرويجي يدعى كنوت هامسون؟”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى