ثقافية

خبز «الجنقو» الحافي

io[po[

حين نشر “محمد شكري” عمله الاستثنائي “الخبز الحافي”، هاجمه الكثيرون بسبب اللغة السوقية الوضيعة وكم البذاءة التي حفلت بها أحداث هذه الرواية، دون أن يتداركوا أنه لم يدّع شيئًا ولم يختر أن يكتب ببذاءة لكسر “تابو” ما. كل ما في الأمر أن هذه الرواية كانت الجزء الأول من سيرته الذاتية، فدوّن فيها ما مرّ به في المدة من 1935 وحتى 1956.

ليُصبح كل ما فعله هو التعري -فقط- ووصف الحقيقة كاملة دون أي كذب أو تجميل. لكن، هذا لم يعجب البعض؛ فكثيرون يرون أن رسالة الأدب، هي غض الطرف عن كل البذاءات التي تحيط بنا. وربما كان هؤلاء من خاطبهم “مظفر النواب” قائلًا: “اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية، بعضكم سيقول بذيئة، لا بأس.. أروني موقفًا أكثر بذاءة مما نحن فيه”.في الدورة السابعة لجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، فاز الأديب السوداني “عبدالعزيز بركة ساكن” عن جدارة واستحقاق بالجائزة الأولى عن روايته “الجنقو.. مسامير الأرض”؛ ليصدر بعد هذا الفوز بقليل، قرارًا عن وزارة الثقافة السودانية يمنع حظر وتداول هذه الرواية. الأمر الذي لم يكن بجديد على “عبد العزيز بركة ساكن” الذي سبق وأن صوردت مجموعته القصصية “امرأة من كمبو كديس” عام 2005. وتم لاحقًا منع عرض كتبه في معرض الخرطوم الدولي للكتاب عام 2012.ليُعاني “بركة ساكن” من المُصادرة والتضييق على انتشار حرفه في بلاده، في الوقت الذي قرر المعهد العالي الفني بمدينة سالفدن سالسبورج بالنمسا أن يُدرج في مناهجه الدراسية رواية «مخيلة الخندريس» في نسختها الألمانية التي ترجمتها الدكتورة «إشراقة مصطفى» عام 2011.بالرغم من أن محمد شكري كتب “الخبز الحافي” باللغة العربية عام 1972؛ إلا أن أول نسخة منشورة منها، كانت المترجمة للغة الإنجليزية على يد “فريدريك بول بولز” عام 1973، ثم ترجمها “الطاهر بن جلون” إلى الفرنسية عام 1981 وتُرجمت تباعًا في 38 لغة أجنبية، وقوبلت هذه الرواية بترحاب شديد وحفاوة كبيرة في الأوساط الأدبية الغربية، حتى عُرف “شكري” كأديب عربيّ دون أن يُنشر له عمل بالعربية.وبعد عشر سنوات من نشر الرواية بترجمة إنجليزية، نشرها “شكري” على نفقته الخاصة في المغرب، فأثار ضجة كبيرة ما بين إعجاب شديد ورفض كبير وصل إلى حد المنع والقمع وحظر التداول، حيث رأى النقاد أنها رواية جريئة خارجة عن أعراف المجتمعات العربية ولا تتوافق مع تقاليدها، بالرغم من أن “شكري” لم يتجن على التقاليد العربية ولم يدّع شيئًا غير حادث؛ بل قصّ على القراء بكل أريحية قصة حياته منذ مولده وحتى بلوغه العشرين من العمر.

وإن كان قد حكى عن مستنقع “الخراء” الذي غاص فيه طوال عشرين سنة، ووصف القاع السفلي للمجتمع المغربيّ، بكل ما فيه من فقر وخوف وأمراض نفسية مستعصية وشذوذ وعهر وكدح، فهو لم يفعل ذلك من أجل التباهي بالكتابة عن مسكوت عنه، بقدر ما فعل ذلك ليرشد آخرين لا زالوا في هذا الدرك الأسفل من القاع نحو طريق الصعود. “أقول: يُخرج الحي من الميت. يُخرج الحيّ من النتن ومن المتحلِّل، يُخرجه من المتخم ومن المنهار.. يُخرجه من بطون الجائعيـن ومن صُلب المتعيّشين على الخبز الحـافي“.الجنقو، هم العمال الموسميون الذين يتركون قراهم سعيًا وراء لقمة العيش وتكوين ثروة صغيرة يعودون بها إلى أهاليهم، عِوضًا عن خفي حنين. لكن، تروس الحياة القاسية، تطحنهم مرات ومرات، في مزارع السكر وحقول السمسم والمصانع ذات الآلات المتهالكة المتآكلة، فتتغير حِرفهم وأسماؤهم خلال شهور السنة؛ فهم «الجنقو» بين يونيو وديسمبر، و«الفَحامون» بيننيسان و أيار و«كَاتَاكو» في المدة ما بين كانون الاول وأيار، أما خلال السنة كلها، فيطلق عليهم النساء اسم “فدَّادي”، فتتغير أسماؤهم ولا يغيب عنهم الشقاء لحظة واحدة.وبالرغم من أن “الجنقو” كرواية تُعد قفزة قفز بها “ساكن” بالقارئ نحو غير المألوف والمتعارف عليه في الكتابة الإبداعية، حيث استخدم تكنيكات سردية توحي بقدراته ككاتب روائي موهوب، وعكست تمرده على نمطية الرواية السودانية، ككثير من الأدباء العرب الذي اشتغلوا على قضايا مجتمعاتهم وقرروا التحرر من القيود المفروضة على أقلامهم.لكن، المسؤولون في وزارة الثقافة السودانية التي قررت منعها من التداول، لم يروا في الرواية إلا استخدامه للألفاظ التي يُحرّمها الرقيب والشتائم الفاحشة. بالرغم من أن “ساكن” جعلها تعبر عن الواقع الاجتماعي بأسلوب سلس وغير متكلف، وببساطة متمرس. واستطاع عن طريق حبكته وانتقالاته عبر الدلالات اللفظية أن يوظّف هذه البذاءات التي لم يختلقها من العدم وأن يصنع منها بوابة للتحرر الإبداعي. “أنا كاتب حسن النيّة وأخلاقي، أدعو للسلم والحرية، لكن الرقيب لا يقرؤني إلا بعكس ذلك“.

فالكاتب حين تناول حياة “الجنقو” ذوي الأروح الطيبة التي تركت بلادها بحثًا عن الرزق والسكينة، تناولها بصدق تام ودون مبالغة بالرغم من فجاجة الطرح. فحكى بحيادية عن حيواتهم القاسية الخشنة المقززة التي خربتها الحكومة وتركتهم ليغوصوا في الفقر والبغاء والمثلية الجنسية. ليكتب “ساكن” عن هذه الفئة المهمشة غير المعروفة والتي لا ينتبه لها أحد بالرغم من أنها تحيط بالجميع من كل جانب والتي إذا ما خرجت، لا تعود إلى أهاليها إلا نادرًا؛ فـ “الزول اللي داق نسوان البلد دي وشرب مريستها تاني ما يقدر يفارق أولاد الحرام وبنات الحرام الصاحبهم“.فإن كان خبز شكري الحافي، وجنقو عبد العزيز بركة، قد أثارا تحفظات النقّاد وشريحة من القراء تُحبذ ذلك النوع من الأدب الذي يُطلق عليه “أدب نظيف”؛ مما أدى إلى منع تداول هذه الروايات الجريئة أو البذيئة على حد قولهم، فأظن أنه من الأولى أن يتم تعريف عموم القرّاء بما يعنيه الأدب وما رسالته الحقيقية؟. فالأدب يجب أن يظل بعيدًا عن أية رتوش أو أدوات تجميل. يجب أن يكون متوحدًا بذاته، قادرًا على كشف السوآت دون أن يعير أي انتباه لهؤلاء الذين يُريدون دفن رؤوسهم بعيدًا، أملًا في القدرة على العيش بدعوى “الجهل” عمّا يُحيط بنا من قذارات. لا يوجد أدب نظيف وآخر بذيء؛ بل يوجد عالم ظالِم يضيق بأهله، وآخر تسوده بعض مقومات العدالة، ولا يجب على الأدب أن يكتب عن أحدهما ويغض الطرف عن الآخر ارضاءً للجمهور.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى