هل العراق بحاجة الى رئاسات أم عقول مدبرة ؟!
عبد الخالق الفلاح
منذ عام 2003 وهو عام سقوط صنم العراق وتغيير النظام الى نظام برلماني تقوده الاحزاب ، لا بد لنا من الاعتراف بان العراق لا يحتاج الى رئاسات انما عقول مدبرة وبان المسافة بينه وبين الأهداف التي كانت تنصب أعين شعبه اليها قد أصبحت بعيدة جدا وتزداد كل يوم بعداً ، فقد مر العراقيون في موجة كبيرة من الأحداث والتحولات والنزاعات الانقسامية داخل المجتمع لم تنته وبقت مستمرة بسبب غياب القيادة الحقيقية وانعدام الوحدة المجتمعية الحقيقية وانعدام الاستقرار، خصوصا الاقتصادي المهزوزة في البلاد، لقد كانت للمشاحنات والخلافات التي افتعلت من قبل بعض السياسيين التأثير السلبي في حياتهم ، وساعدهم باندلاعها الكثير من الجهلة، والمتطرفين، وأذناب البعث، الذين يريدون الخراب للعراق بعد هزيمة بعثهم على أرضه فمازال الشعب يئن تحت وطئتها ولكن سيظل متسامحا ومحبا للآخر، سواء مع اخوته بالوطن أو مع جيرانه من الدول الاخرى ، ولكل شعب كبوة، المهم ان ينهض منها بقوة واثبتوا انهم من افضل وأكرم الشعوب أخلاقيا، لأنهم وببساطة استطاعوا تخطي الحرب الطائفية بثقة، وعظمة، برغم ان الكثيرين راهنوا على انها ستمتد لسنوات طوال ويبدو ان القهر والظلم الذي مر بهم، صقل صبرهم أكثر، وصقل قوتهم أيضا ضد كل من يريد اضعافها. أولويات العراق تتمثل بالحفاظ على المنجزات المتحققة في مجال الامن والنهوض والإصلاح الاقتصادي والخدمات والبناء والإعمار وتوفير فرص العمل . بعد تلكؤها وتعثرها للأسباب التي ذكرناها برغم انهم كانت لهم أحلامهم وتصوراتهم أوسع عن المستقبل الذي يتمنون ان تصير اليه البلاد. ويتابعون ويلاحظون التقدم والازدهار والتحولات التي تحدث في العالم وفي البلدان المحيطة بهم، ومازالت هذه الاحلام بمستقبل بلادهم عريضة ، وكل خطوة تسير فيها الاوضاع بهذا الاتجاه تدفعهم الى مزيد من الترقب والأمل بتحول هذه الصور التي سكنت خيالاتهم طويلا الى واقع حي وملموس . ظلوا يعيشون تدهورا مستمرا في أوضاعهم ، حتى كبرت الحسرة في نفوسهم ، وهم يتخيلون ما يمكن ان تكون قد صارت اليه البلاد وهذا المستقبل بصورته التصارعية الحالية لا يمكن ان تثبت لأنها تنمو من صلب المشاكل اليومية والمعيشية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها الناس، والتي طالما تأملوا فترة هدوء صغيرة معها تنتج لهم شيئا من سرور الحياة وبهجتها بعد حقبة تفاهمات بين القوى الوطنية لتشكيل حكومة قوية قادرة على تحقيق طموحات الشعب العراقي وتوفير متطلبات العيش الكريم للمواطن في جميع مناطق العراق والابتعاد عن الصخب والفوضى والهيجان السلبي المدمر لكل شيء ، وتكون لهم دولة لها ركائز النهضة وليست دولة شعارات ومزايدات، بل مجتمع يحظى بالاستقرار والازدهار المتزايد. أن الساحة السياسية في العراق تشهد حراكًا واسعًا بين القوى الفائزة لتشكيل الكتلة الكبرى تمهيدًا لتكليفها بتشكيل الحكومة المقبلة ولكن ما هي قيادتها ، اولا يجب أن يكون مستعدا ابتداءً للتخلي عن عقليته الحاكمة الآمرة لمصلحة عقلية حاكمة محاورة لان للقائد السياسي ونمط قيادته تأثير فعال في حياة الشعوب والأمم ، فهو الذي يضع الرؤية المستقبلية لشعبه ، ويحدد حجم القدرات المتاحة والآليات العملية لتنفيذها والوسائل المناسبة لتجاوز التحديات التي تعترضها ، ويتولى اتخاذ القرارات الصحيحة لنجاحها ، وهذا النمط من القيادة هو ما يصطلح على تسميته في السياسة بالقيادة الإستراتيجية ، التي تتميز عن قيادة المسؤولين والمدراء التنفيذيين في المؤسسات الحكومية ، ثانيا انهاء السجالات السياسية وإبعاد الحكومة عن المناكفات السياسية وتغليب المصلحة العامة ، ثالثاً الاخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة للعراق وعلاقته بدول الجوار والإقليم . التجربة السياسية العراقية قد فشلت تماما أمام الجماهير بعد السنوات 15 الماضية التي لم تجلب إلا الويلات والمعاناة والفقر والتشتت الاجتماعية لفقدانها الى القيادة القادرة بتحمل المسؤولية نتيجة المناكفات التي اخلت بالعطاء وتحقيق اصلاح في البلد و وصل الشعب الى مرحلة اليأس والتذمر ، ولم تنجح في محاربة الفساد المالي والإداري المستشري في البلد، وتعاملت مع العراقيين باستخفاف وسخرية عندما طالبتهم باحترام القانون والالتزام والانضباط الإداري ، واحترام المال العام ، والنزاهة .. في الوقت الذي لم تعاقب مجرما حقيقيا من سراق الشعب الكبار، لارتباطهم بالصف الأول للنخبة الحاكمة. وان معالجة العوز ليس بالأمر السهل ، لكنه أيضا ليس بالأمر المستحيل ، فمن لا يعرف كيف يكون قائدا سياسيا استراتيجيا بطبعه ، عليه أن يكون كذلك من خلال استعانته بشبكة خبراء استراتيجيين ناجحين، أن يحمل العقل والمنطق السليم ، الهادف لبناء دولة متكاملة الأسس النظرية والعملية. والقائد الاستراتيجي حددت الأدبيات السياسية المعاصرة بصفة الذكاء والفطنة – سعة الأفق والقدرة على التفكير – البلاغة وحسن التعبير – الخطابة والقدرة على جذب انتباه المستمعين – الثقافة والمعرفة وحسن الإعداد – يعتمد على توزيع السلطة والمسؤولية على جميع أعضاء الحكومة مع إيجاد الدافع إلى التعاون في العمل عن طريق زيادة إشباع رغبات وحاجات الأفراد النفسية وفي ضوء هذه القيم الاجتماعية يكون سلوك المسؤول القدرة على المناورة والخروج من الاحراجات والمآزق – القدرة الابتكارية للأفكار والحلول – الثقة بالنفس والميل للتسامح – القدرة على اختيار أفضل البدائل التي تحقق أعظم المكاسب وأقل الخسائر – القدرة على اتخاذ القرار في التوقيت المناسب – القدرة على الحسم – القدرة على الإقناع لاسيما في القضايا الخلافية – القدرة على تحمل المسؤولية – القدرة على تكوين فرق العمل – القدرة على إدارة فرق العمل – القدرة على اختيار المعاونين المقتدرين – القدرة على تطويع قدراته الذاتية مع خصائص ومقتضيات المواقف التي تواجه الجماعة أو المجتمع – الإيمان بأن القيادة تعني الثقة والإقناع والحوار ، وليس القهر والمناورة والخداع وخلق الترابط بين القرارات والوسائل والسياسات وبين قيـــم المجتمــــع الذي يتحــرك القائـــد فيه. كل هذه الصفات مطلوبة ومهمة ومن المؤكد ان المجتمع لا يريد تحسين نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي فقط بل في جميع المجالات ليعيش بالأمن والأمان والحياة الكريمة المستقرة.



