البناء العلمي والثقافي في الإسلام
يُعرّف العلم بأنّهُ الجهد الذي يقوم به بعض الناس في إطار تخصّصهم في محاولة منظّمة عن طريق التجربة والدراسة الموضوعية المتواصلة المثابرة لاكتشاف خلفيات الأسباب او المسبّبات والتحكّم فيها, ومعرفة أسرارها ثمَّ يجمعون ما يُتاح لهم في هذا المجال في منظومة فرعية للمعرفة في عملية منسّقة من خلال تفكير وتصوّر يتّخذان طابعاً منهجياً يعبرّون عنه عادة برموز رياضية بما يهيئ لهم فرصة استغلال نتائج أبحاثهم في فهم العمليات والظاهر التي تجري في الطبيعة والمجتمع وتكريسها للمصلحة العامة و وصنعها في خدمة المجتمع البشري.
أمّا المعرفة فقد عُرّفت بأنها إحاطة بالشيء كما هو به وقد ورد لفظ المعرفة في القرآن الكريم في قوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) الأنعام 20.
أمّا كلمة العلم فقد وردت في القرآن بمفهوم أكثر شمولية واتّساعاً بقوله عزَّ و جلَّ: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ) محمد 19, والواقع أنّ الإسلام منذ ظهوره في الجزيرة العربية قد عُنيَ بالعلم عناية فائقةً لم تعرفها الأديان والأمم في أي مدة سابقة حيث بني الإسلام نفسه على العلم والمعرفة والمنطق والحجة والبرهان؛ لذا نجد أنّ الإسلام دفع بالعمل الإنساني إلى مجالات رحبة لمزيد من المعرفة واكتساب العلوم والبحث عن مصادرها في كلّ مكان حتّى إذا كان ذلك في أقصى الأرض. ودعا إلى تفتّح آفاق الفكر, وفتح كتاب الكون أمام الناس على مصراعيه مرغّباً في العلم. والتأمّل في ظواهر الكون والحياة الإنسانية وخلق الإنسان وتكوينه العضوي وفي ذلك يشير عزَّ وجلّ: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يونس 101.
إنَّ العلمُ الذي يدعو إليه الإسلام بالحياة ويهدف إلى رقّيها وكلّ ما يعود بالمنفعة على المسلمين في الدنيا والآخرة؛ لذا نجد أنّ الإسلام قد عُنِيَ بالعقل الذي هو أداة التفكير فدعا إلى انطلاقه وتفتّح آفاقه فهنالك حقائق مادية وفكرية لا بُدّ للإنسان من معرفتها بالكشف عن أسرارها. وأمّا الوسيلة إلى ذلك فتكون بالمثابرة وتنشيط الأذهان والتفكير العميق في ظواهر الكون والطبيعة, وهذا العلم يمر بمراحل وكما قال أبو سعيد الحسن البصري (رحمه الله) «ليس من عالم إلاَّ فوقه عالم حتّى ينتهي إلى الله عزّ و جلّ».
وقد حفل القرآن الكريم وهو كتاب الله بأمثلة متعددة لميادين المعرفة وأبوابها التي فتحها الإسلام أمام البشرية وحثّ على استخدام الطاقات العقلية للتفكير التمعُّن في أسرارها المدهشة وكلّ ما يحتويه هذا الكون, وذلك بوضعه في إطار التأمّل والدراسة من أجل تعّرف حقائقه وأبعاده بشمولية وعمق وهذا هو المنهج العلمي في أدقّ تفاصيله وأول شروطه وقواعده فهو المنهج الذي يؤدّي إلى البحث العلمي وصولاً إلى المعرفة التي تضيء واقع الإنسان وحياته ومن هذا المنطق دعا الإسلام إلى التدبُّر في خلق الإنسان نفسه, وقد وصف تكوينه العقلي والجسدي لقوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) الطارق 5 ـ 7.
إن معرفة الإنسان بنفسه وطبيعة تكوينه ودقة هذا التكوين تدعو إلى حتمية الإيمان بالله الخالق المبدع الذي أبدع الكون ووضعه في متناول الإنسان الذي هو خليفته في الأرض, كذلك دعا الإسلام من ناحية أخرى إلى التأمّل في الكائنات الحيّة, ومن ذلك النباتات وممّا تناولته علوم النباتات فيما بعد, وذلك في قوله تعالى: ( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) عبس 24 ـ 32.
ودعا الإسلام كذلك إلى النظر في تكوين الحيوان الذي هو محطّ دراسة علم الحيوان بقوله تعالى: (أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) الملك 19.
وهذا الكون وما فيه من الأجرام السماوية بقوله تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يس 40.
د. علي حسن مزبان



