من يوميات مسافر
عبد الله شبلي ـ المغرب
ألقى بجسده المتعب المثقل بسهر الليلة الفائتة، حيث كان يلملم حقائبه ويجمع خواص، لم ينس أن يدس روايات في حقيبة ظهره الصغيرة التي وضعها جنبه، لأنه كان يؤمن بأن الكتاب هو فاكهة الطريق، أسند رأسه الحليق إلى الكرسي، باحثا عن نوم متوار.
كانت الحافلة تشق طريقها المعبد في اتجاه بلدته الجاثمة بين أحضان واحات نخيل الجنوب الشرقي المنسية، بحث بكل جوارحه وحواسه عن نوم يستلذ به، لكنه تمنع وأبى بكل قواه السحرية أيضا.
كانت إمرأة سوداء بجانبه الأيمن تتجاذب أطراف الحديث مع أخرى تجلس خلفها مباشرة، بعد أن سمعت أناتها المتكررة، وشكواها المتواصل، مما أثار إنتباهه وحرك لواعج الأسى والحسرة داخله، بسبب معاناة هذا النوع من الناس، وجع دائم وفقر ضارب، وقناعة غريبة تغطي كل ذلك، وربما تغذي ذلك الوضع وتزيده دسما.
ـ ما بك أيتها المرأة؟
ـ مريضة.
قالت وهي تواصل إصدار الألم والأنين.
ـ شافاك الله.
قالت المرأة العجوز السوداء التي كانت تلبس نظارات طبية، ولحافا أسود اللون براقا، وتضع حقيبة يدها بحجرها، وهي تتأوه في تضامن بارز مع المريضة.
هذا الحوار الوجداني العميق بين السيدتين حرض نومه الهارب على العصيان. تململ فوق الكرسي وألتفت يمنة نحو السيدة المريضة، حدجها بنظرات الإشفاق والإعجاب، مشفقا عليها من معاناة لا يستطيع لها دفعا ، ومعجبا بتحمل خرافي يغلف هذا النوع النادر من النساء، اللواتي اتخذن الصبر رداء والقناعة إزارا.
ـ لماذا تتوجع هذه المرأة وحيدة داخل حافلة؟
ـ أين من يسندها ويخفف عنها؟
ـ هي مطلقة حتما، ربما لم تتزوج أصلا؟
ـ فليكن ذلك، أين الإخوة السور الصلب الذي تسند عليه الظهور المكسورة المنهوكة؟
تنبه بعد ذلك إلى أنه لم يكن يحادث أحدا، وإنما كان في حوار داخلي جياش، يحاور نفسه وينازعها الحجة وضدها، حينها تمنى لو يستطيع أن يحاور المرأة نفسها، لكن شيئا معينا كان يحول بينه وبينها، لم يعرف طبيعته ولا حقيقته، تمنى بعد ذلك لو يخرج رواية من رواياته الست من حقيبة ظهره، فيتيه بين أوراقها كما أعتاد كل سفر، تيها جميلا لا مثيل له، تيه كان يشكل العالم عنده من جديد، يمنحه وقودا سحريا وترياقا أسطوريا لكل المعاناة التي تعتمل داخله وحوله، فتدفعه إلى النفور من كل شيء، والتمرد على كل شيء.
ـ ليتني أستطيع ذلك، قد تأخذني رواية الكيلاني إلى أرجاء حارات مصرية، وأستمتع بتقلبات نفسية السكرتير الذي يحاول أن يتماهى مع كل مدير جديد، يسكر مع السكارى، ويقامر مع المقامرين، ويصلي الفجر مع مديره الجديد الملتحي، وقد بات ليلته مخمورا، ويسمي ذلك تأقلما تفرضه طبيعة عمله.
الحافلة تعاود السير من جديد بعد أن أفطر الركاب في مقهى صغير، زيت وشاي وخبز ثالوث مقدس سمة إفطار مغربي خالص.
صعد رجل كبير السن، ملتح لحيته بياضها كامل لا مكان للسواد فيه، كان يلبس فوقية بيضاء ويحمل كيسا يحتوي ملابسه فوق ظهره، المقاعد كلها مملوءة مملوكة، وضع كيسه أمامه وجلس في الممر الذي يفصل بين كراسي الميمنة والميسرة بمحاذاة المقاعد الخلفية، جلوسه ضايق الرجل الذي كان يجلس على يساره رفقة ابنته الصغرى، كما استشاطت العجوز السوداء غضبا.
ـ لا يمكن أن تجلس هناك، ستسد الممر في وجه الركاب.
ـ لن يحدث ذلك، سأفسح الطريق لكل سالك.
ـ لا تجلس هناك حتى يمر الركاب إلى كراسيهم.
قال الرجل معضدا تحالف المرأة، هذا التحالف الذي غدا تكالبا دفع الرجل اللحيان إلى الهرب بعيدا، فغادر الحافلة مطلقا، وهو في حالة غضب وهياج، سباب يتعالى وشتائم ترفع. قال الرجل وهو يغادر من الباب الخلفي للحافلة ، يخطو الأدراج نازلا: لن أركب معكم هذه الحافلة، يا جماعة المجانين، كأنكم امتلكتموها قسرا. تبا لكم وتعسا. إلى جهنم تحشرون إن شاء الله.



