أكثر من محطّة وقود .. عن ريع النفط و «التخلّف»
عامر محسن
الجزء الاول
حتّى لا يكون النّقاش على مستوى الظواهر، من الأساس التذكير قبل أيّ كلامٍ عن الوضع المالي في السّعودية، وخطط الدولة وإجراءات التقشّف، بأنّ أية «أزمة» في المالية العامّة، وأي عوز يصيب المجتمع، هي عوامل «اصطناعية» بالكامل ولا يفترض بها ـــــ في عالمٍ آخر «منطقي» ـــــ أن تكون. الإسراف في الاستهلاك والتوظيف غير المنتج للمواطنين و«الفشل التنموي»، هذه كلّها عوارض، من الممكن أن تفسّر عجز الموازنة بالمعنى الحسابي الآني، ولكن السؤال الحقيقي يبدأ من مكان آخر. ما نقصده هو أنّه، حين يكون لديك بلدٌ فيه أربعة ملايين عائلة ويدرّ سنويّاً ما يقارب مئتي مليار دولار من استخراج النفط وبيعه كريعٍ صافٍ، فمن المفترض ألّا يكون هناك فقيرٌ في هذا البلد، بغضّ النّظر عن مقدار الاستهلاك والاستيراد، والفشل في التحوّل إلى مجتمعٍ صناعيّ متقدّم. مع هذه الأرقام، يجب أن يعيش جميع المواطنين في رخاءٍ وراحة، أقلّه، لو كان هناك أيّ توزيعٍ «عقلاني» وطبيعي للثروة في المجتمع ـــــ حتى ولو بشروط «العالم الثالث» ـــــ ولو كنّا نبدأ كلّ سنةٍ من الصّفر. ليس من المنطقي أن يجد أحدٌ في هذا البلد الثريّ صعوبةً في الحصول على مسكنٍ ودخلٍ وعمل، فضلاً عن أن يضطرّ المواطن إلى استجداء العطايا من الأمراء والأغنياء، وأن يقلق بسبب فاتورة الكهرباء وسعر الحليب. الكلام عن الفساد والهدر وثروات العائلة المالكة هو أيضاً ليس تفسيراً كافياً. السؤال الأوّل الذي يُطرَح في هذه الحالة هو ليس «كم تحصل سنوياً من مال النّفط؟»، بل «كم يظلّ من هذا المال داخل البلد، وأين يتم استثماره وكيف يتمّ توزيعه؟». المثال الأكاديمي الشهير الذي يقدّم عن حركة البترودولار خلال طفرة السبعينيات كان أن هذه الأموال لا يتملكها العرب إلّا بالمعنى النظري. هي تودَع في حسابٍ عربيّ كثمنٍ لشحنة نفط، ثم تحوّل فوراً في الاتجاه الآخر، لتودع في مصرف غربيّ من جديد، وتتحوّل إلى سندات خزينة بالدولار أو قروضٍ للمكسيك وأوروبا الشرقية. أنت تملك المال النفطي، هنا، على المستوى القانوني وعلى الورق، ولكنّه «يعمل» في مكانٍ آخر. المشكلة تبدأ هنا؛ حتى نبسّط الحسابات، قد يكون لديك دخلٌ نفطيٌّ كبير، ولكنّك حين تنفق ما يقارب 80 مليار دولار في السّنة على الدّفاع والحروب (أي الميزانية الثالثة في العالم، أكبر من ميزانية روسيا وفرنسا واليابان، وأربعة أضعاف الإنفاق الإسرائيلي على الجيش ـــــ بحسب أرقام معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن)، فأنت قد أزحت شطراً معتبراً من هذا الريع عن طريق شعبك (ليس كلّ الإنفاق العسكري، ولا أكثره، هو ثمن صفقات سلاح غربية كما يتصوّر البعض، ولكنّ قسماً هائلاً منه هو بدل معدات وصيانة ومتعاقدين أجانب وحروب خارجيّة، وفسادٌ بالطبع، وهي كلّها نفقاتٌ غير منتجة ولا تفيد المجتمع والاقتصاد). ثمّ، بعد ذلك، حين تهاجر من السّعوديّة هذه السّنة ـــــ بحسب كارن يونغ في «بلومبرغ» ـــــ 65 مليار دولار إلى حساباتٍ واستثمارات في الخارج، فإنّ الإنفاق العسكري مترافقاً مع هذا النّزف للرساميل (خرج السنة الماضية 80 مليار دولار من البلد)، لن يترك إلا قدراً بسيطاً في يد الدّولة للتوزيع والتوظيف والاستثمار، وإنفاق المال لتنشيط الاقتصاد. أمّا بالنّسبة إلى المواطن العاديّ، فإنّ ما يجعله الحلقة الأضعف هو تراتبية الأولويات لدى النّظام. حين لا يعود الرّيع يكفي لتلبية كلّ هذه الحاجات (وشراء اليخوت واللوحات للأمراء) في وقتٍ واحد، فإنّ الحكومة لن تضع ضوابط حمائيّة على خروج الأموال على طريقة الصّين ـــــ بل هي من يرعى فكرة إخراج الثروة الوطنية واستثمارها في الأسواق العالمية ـــــ ولن تخفض ميزانيتها العسكرية جذرياً، وتوقف صفقات السلاح الضخمة وحروبها على الجيران وفي الإقليم، بل إنّ «التقشّف» سيأتي حصراً من الثلث الثالث: الإنفاق على الوظائف والدّعم للمواطنين والاستثمار (ومشاريع الدولة وإنفاقها هي، تاريخياً، السبب الأساسي للنموّ في الاقتصاد). في ميزانية عام 2018 «التقشفية»، مثلاً، لم تكن نفقات الدفاع هي التي تلقّت الخفض الأكبر، بل التربية والتعليم. وحين ترفع الدولة الدعم عن سلعةٍ ما، فهي تفرض فعلياً «خفضاً» على رواتب الموظفين، ولا سيما الفئات الدنيا. حين يرفع الدعم عن الكهرباء، فهذا يوازي حسم عشرةٍ بالمئة من راتبك، وكذلك الوقود، وضريبة القيمة المضافة، وهكذا دواليك. قبل أن تلوم المواطنين على الهدر و«الكسل»، وتطالب بتطبيق قواعد السوق عليهم وعلى استهلاكهم، يجب أن تفهم أوّلاً بنية التراكم والتوزيع في المجتمع، حتّى تفهم من أين جاء هذا «المستهلك» وكيف تمّ تشكيل خياراته، وما المصدر الحقيقي لـ«الأزمة» ؟. نستعير هنا فكرةً لعلي القادري، الذي يعد السّمة الأهمّ والمحورية لدول الخليج، أنّها تشكّل جزءاً من «الطّوق العازل» الأميركي في الشرق الأوسط: أي المظلّة التي تغطّي «محميات» أميركا في كلّ إقليم، على طريقة اليابان وكوريا وتايوان في شرق آسيا، ودول الخليج النفطية وإسرائيل. هذه الدّول ـــــ سواء في إقليمنا أو في غيره ـــــ تلعب دوراً في النّظام العالمي (قواعد متقدّمة للجيش الأميركي، السيطرة على منابع النفط، محاصرة الصّين، إلخ)، وهي تحظى بالمقابل بمميزات مهمّة. أوّلاً وقبل كلّ شيء، تعطي هذه الوضعية دول «الطوق العازل» قدراً من المناعة والاستقرار، أميركا تضمن حدودها واستقلالها، وتسمح للنظام بقمع المخالفين من دون سؤال، فوق ذلك ـــــ تعطي هذه الحكومات هامشاً واسعاً في تقرير شؤونها الداخلية وخططها الاقتصادية. لم تمانع واشنطن أن تعتمد اليابان وكوريا سياسات حمائية (بل وإصلاحاً زراعياً في كوريا وتايوان)، وزودتها بمعاملة تفضيلية ونفاذ إلى الأسواق العالمية والتكنولوجية الحديثة، ما دام هذا هو الطّريق لبناء دول صناعيّة قويّة تقف سدّاً في وجه توسّع الصّين. بالمناسبة، وهذا ينطبق بخاصة على مرحلة ما بعد كامب دايفيد، إنّ الطموح الأقصى للعديد من الأنظمة «الثورية» العربية ـــــ من العراق وسوريا إلى ليبيا والجزائر ــــــ والدّافع خلف المفاوضات والتنازلات وعروض السلام مع إسرائيل، كان الانضمام إلى هذا «الطّوق العازل»، والحظي بالرّضا الأميركي وحماية واشنطن واعترافها بالنظام. هذه هي ترجمة «شرطي المنطقة»، الطموح المزمن والعابر للدول، ومعنى «مراكمة الأوراق» حتى تنال اهتمام واشنطن وتطلب «خدماتك» (ما لم ينتبه إليه هؤلاء، أنّه في الشّرق الأوسط، على عكس آسيا، لم تكن هناك «صين» صامدة ونووية، تشكّل تهديداً وتستوجب حلفاء أقوياء في جوارها؛ وفي وسع واشنطن ببساطة ـــــ بخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ــــــ أن تقتحم الإقليم عسكرياً، وهي لا تحتاج إلى محميّات إضافية..
يتبع…



