اراء

لماذا تعطّل “إسرائيل” أيّ اتفاق بين أميركا وإيران؟

بقلم: شرحبيل الغريب..
من الملاحظ أنه في كلّ مرة تقترب فيها الولايات المتحدة وطهران من صيغة تهدئة أو تفاهم اتفاق سياسي، يظهر عامل إقليمي معرقل لا يمكن تجاهله في الخريطة السياسية في المنطقة، وهنا أتحدّث عن “إسرائيل” تحديداً، فبالنسبة لها لا يُنظر إلى أيّ تقارب أميركي إيراني باعتباره مساراً دبلوماسياً منفصلاً، بل كتحوّل استراتيجي قد يعيد توزيع موازين القوى في الشرق الأوسط، ويحدّ من قدرة “إسرائيل” على إدارة الصراع وفق حساباتها الأمنية بالدرجة الأولى.
هذا الموقف لا ينفصل عن رؤية إسرائيلية أوسع ترى أنّ البيئة الإقليمية يجب أن تبقى في حالة من اللا استقرار، بحيث لا يترسّخ أيّ طرف إقليمي منافس في موقع قوة مستقرة، ومن هنا يصبح تعطيل أو إضعاف أو تخريب أيّ اتفاق إيراني أميركي محتمل جزءاً من محاولة الحفاظ على التفوّق الإسرائيلي، حتى لو كان ذلك على حساب استمرار حالة التوتر والاشتباك في أكثر من ساحة مواجهة.
هذه الحسابات عبّر عنها الوزير في حكومة نتنياهو، إيتمار بن غفير، الذي قال في تصريح حديث له إنّ الوقت قد حان لأن يضرب نتنياهو على طاولة ترامب، ويبلغه بأنّ “إسرائيل” ستعود إلى الحرب في لبنان، وأنه يجب قطع الكهرباء عن لبنان والسيطرة على الزهراني والعودة إلى حرب مكثّفة.
أمام هذا الموقف، وفي قراءة عميقة للمشهد، وفي ظلّ الحديث عن اقتراب اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، يطرح تساؤل مهم: لماذا تعمل “إسرائيل” على تعطيل أيّ اتفاق بين أميركا وإيران؟
في قراءة المشهد، من المهم الوقوف عند حقيقة أنّ “إسرائيل” اليوم تواجه معضلة استراتيجية عميقة، فهي فشلت في حسم أيّ جبهة اشتبكت معها حتى الآن، وفشلت أيضاً في إعادة رسم الشرق الأوسط، وغير مستعدّة في الوقت نفسه لقبول تسويات سياسية تُبقي قوى محور المقاومة فاعلة في المنطقة.
ومن هنا يصبح تعطيل أيّ اتفاق محتمل بين أميركا وإيران جزءاً من معركة إسرائيلية مفتوحة للحفاظ على تفوّقها الإقليمي، حتى وإن كان الثمن استمرار الحروب في عدة دول في المنطقة، أبرزها لبنان، بعدما استعاد حزب الله جزءاً كبيراً من قدراته القتالية دفاعاً عن الجنوب اللبناني.
“إسرائيل” تواجه معضلة الردع غير المكتمل، فرغم القوة العسكرية التي تمتلكها، والتفوّق التكنولوجي، والدعم الأميركي والغربي اللامحدود، إلا أنها سجّلت فشلاً كبيراً في تحقيق حسم نهائي في أيّ من الجبهات المفتوحة، ففي قطاع غزة، لم تؤدِّ الحرب إلى إنهاء كامل لحالة المقاومة، بل إلى إعادة إنتاجها بصيغ مختلفة، وفي لبنان، لم تنجح سياسة الردع في القضاء على حزب الله، إذ استعاد جزءاً كبيراً من قدراته، وأعاد تثبيت معادلة الاشتباك على الحدود، خصوصاً عبر المسيّرات التي تعمل بالألياف الضوئية، والتي أثبتت تأثيرها في معادلة المعركة المستمرة.
هذا الفشل في إنتاج نصر حاسم يجعل “إسرائيل” أكثر حساسية تجاه أيّ تحوّلات إقليمية، خصوصاً عندما ينجح حزب الله في إعادة التموضع مع أيّ تقارب أميركي إيراني محتمل.
تتعامل “إسرائيل” مع إيران باعتبارها تشكّل تهديداً استراتيجياً مركزياً في الإقليم، ليس فقط بسبب البرنامج النووي، بل بسبب ترّؤسها لمحور المقاومة الممتد عبر ساحات متعدّدة، لذلك فإنّ أيّ اتفاق إيراني أميركي لا يتضمّن قيوداً صارمة من وجهة النظر الإسرائيلية، يُنظر إليه كتحوّل غير مرغوب فيه في ميزان الردع الإقليمي.
ومن هذا المنظور، يصبح تعطيل أو إضعاف الاتفاقات المحتملة جزءاً من محاولة منع إيران من تحويل أيّ انفراج دبلوماسي إلى مكاسب سياسية أو ميدانية في المنطقة يعزّز نفوذها الإقليمي مجدّداً.
مسألة مهمّة، إذ لا يمكن فصل السلوك الإسرائيلي الخارجي عن التفاعلات الداخلية داخل المشهد السياسي في “إسرائيل”، فصعود تيارات اليمين المتشدّد يعزّز خطاب المواجهة الدائمة، ويقلّل من فرص القبول بالحلول السياسية طويلة الأمد، وفي هذا السياق، يعكس خطاب عدد من شركاء نتنياهو هذا الاتجاه التصعيدي بوضوح، وتصريح إيتمار بن غفير يصبّ في هذا الشأن، والذي يدعو فيه إلى تصعيد واسع تجاه لبنان، وهذا النوع من الخطاب يعكس رؤية تعتبر الحرب أداة سياسية مشروعة وليست خياراً استثنائياً، ويعزّز مناخ تعطيل أيّ مسارات تهدئة إقليمية تجري بوساطات دولية.
الاستراتيجية الإسرائيلية معروفة، وتعتمد بشكل أساسي على إدارة الصراع بدل إنهائه، وفي كثير من المحطات أثبتت هذه النظرية حضورها، إذ تميل “إسرائيل” دائماً، في مقارباتها الأمنية، إلى إدارة الصراع عبر الإبقاء على مستويات متفاوتة من المواجهة والاشتباك، وهذا النموذج يتيح لها الحفاظ على تفوّقها العسكري، لكنه في المقابل يمنع الاستقرار الإقليمي، ويجعل أيّ اتفاقات دولية هشّة قابلة للانهيار في أيّ لحظة.
وبالتالي، فإنّ أيّ تفاهم أميركي إيراني لا ينسجم مع هذا المنطق يُنظر إليه كعامل تقويض للاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية الإقليمية بالدرجة الأولى.
من جانب آخر ومهم، ورغم الخطاب الإسرائيلي المتكرّر حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط إلا أنّ الوقائع على الأرض تشير إلى عكس ذلك، فالحروب الممتدة لم تُنتج شرقاً أوسط جديداً ومستقراً، بل زادت من مستويات التوتر والاشتباك، ووسّعت دوائر المواجهة بدل احتوائها أو إنهائها، كما أنّ الاعتماد المفرط على القوة العسكرية الإسرائيلية أدّى إلى نتائج معقّدة، أبرزها الفشل في القدرة على فرض حلول سياسية دائمة.
استمرار الحرب، بالنسبة لبعض الأحزاب الحاكمة في “إسرائيل”، يبدو وكأنه ضرورة سياسية داخلية؛ فالأزمات المتلاحقة، والانقسامات الداخلية، وتراجع صورة “الجيش”، والفشل في تحقيق انتصارات واضحة، كلّها عوامل تدفع نحو إطالة أمد الصراع، إذ تتحوّل الحرب إلى وسيلة للهروب من المحاسبة، وإعادة إنتاج خطاب التهديد الوجودي الذي لطالما استُخدم لتبرير استمرار الحرب من نتنياهو وشركائه تحديداً.
على الزاوية الأخرى من الصورة، ولعلّ أخطر ما في المشهد ليس فقط الفشل العسكري والسياسي، بل الاعتياد المتزايد على استهداف المدنيين في جنوب لبنان حتى هذا اليوم، فالمجازر ما زالت مستمرة، وتدمير الأحياء السكنية يُمارس وكأنه أداة ضغط طبيعية في الحرب، وهذا بحدّ ذاته يكشف أزمة أخلاقية عميقة تتجاوز الحسابات العسكرية، حيث تتحوّل القوة إلى ممارسة سادية مفرطة لا ترى في الإنسان سوى رقم داخل بنك أهداف يخضع لحسابات سياسية.
“إسرائيل” اليوم تواجه حقيقة يصعب تجاهلها، فلا يمكن فرض حالة الاستقرار عبر الاحتلال، ولا يمكن صناعة أيّ اتفاق سياسي من خلال استمرار القتل وارتكاب المجازر وهدم البيوت، وكلما فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية، ازدادت احتمالات توسيع العدوان نحو ساحات جديدة، في محاولة لتعويض الإخفاق أو ترميم صورة الردع المكسورة.
لا يبدو تعطيل أيّ اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران مجرّد موقف تكتيكي، بل جزءاً من رؤية استراتيجية أوسع لدى “إسرائيل” لإدارة التوازنات الإقليمية عبر استمرار حالة عدم الاستقرار، لكنّ هذه المقاربة، رغم ما تمنحه من مكاسب آنية، تُبقي المنطقة في حالة اشتعال دائم، وتكرّس حلقة مفتوحة من الصراع تبدو غير قادرة على إنهائها بشكل منفرد.
وبينما تراهن “إسرائيل” على إدارة هذا التوتر، فإنّ الواقع يشير إلى أنّ استمرار الاعتماد على القوة المفرطة وحدها لم يعد كافياً لصناعة استقرار طويل، لا لـ “إسرائيل” ولا للمنطقة بأكملها.
ثمّة مسألة مهمة جداً، فكلّ التطوّرات والأحداث التي جرت خلال الأيام القليلة الماضية تقود إلى استنتاج بالغ الأهمية، وهو أنّ الشعوب لم تعد ترى الرواية والسردية الإسرائيلية كما كانت تُقدَّم سابقاً، وأنّ الرأي العامّ العالمي بدأ يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية غير مسبوقة حول طبيعة استمرار حالة الحرب في المنطقة، لذلك فإنّ استمرارها قد يمنح “إسرائيل” مزيداً من الدمار المؤقت، لكنه في المقابل يسرّع تآكل صورتها السياسية والأخلاقية أكثر على المدى البعيد،  وكان ذلك واضحاً عند مهاجمة أسطول الصمود مؤخراً، والذي جاء لكسر الحصار البحري عن قطاع غزة.
تبدو المشكلة الحقيقية أنّ “إسرائيل” لا تعرف كيف تعيش خارج منطق الحرب، فهي تخشى التسويات السياسية بقدر ما تخشى الهزيمة، وهذا واضح في سلوكها، كما تتعامل مع أيّ جهود تهدئة باعتبارها خسارة استراتيجية، ولهذا قد تستمر في توسيع دوائر النار في غزة ولبنان حال حدث اتفاق أميركي إيراني، ليس لأنها نجحت في شيء، بل لأنها عجزت عن تحقيق نصر مطلق أو حسم أيّ ساحة مواجهة كانت قد وعدت بها سابقاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى