الاثنان

حسين هيثم
في احد ايام الصيف في مدينة «بِيرز» قررت الذهاب إلى احدى الملاعب الصغيرة لكرة القدم، استوقفني الحر اوّلًا لكنَّ شيئاً بداخلي حرّك رجليّ وجعلني اصل إلى مقاعد المتفرجين واجلس هناك وحيدا تحت وطأة الهواء الحار. نظرت إلى اللاعبين أمامي وهم يركضون ويتسلّون بقذف الكرة في كلّ اتّجاه، كنت واضعا سماعات الأذن عندما سمعت صوت صراخ شديد، كان الصوت قويًا جدًا، جعل الجميع ينظر صوب مصدره، كان الصوت قادماً من السماء. اتّجه الجميع إلى يسار الملعب راكضين بينما قفزت الدرجات ثلاثًا لأصل إلى ساحة الملعب، ما رأيته كان مخيفًا، مخيفًا إلى درجة الصمت، فقد أُحدِثَ ثقب كبير في صفحة السماء، يمكن لحافلة ان تدخل منه، رأيت من خلاله خلفية سوداء متموجة وحواف الثقب تشبه لحد كبير طرف ثوب ممزّق. انتبهت إلى دخانّ كثيف واسود يتصاعد من منطقة تحت الثقب السماوي، تلاه شعلة كبيرة من النار الحمراء، احترقت احدى الملاعب التي تقع تحته وسمعنا اصوات صراخ ناس تصدح في الاجواء. اردت اخراج هاتفي وتصوير المشهد لكن عينيّ ارغمتاني على النظر فقط، فليس كل يوم يمكنك رؤية ثقب في السماء تحته حريق لا ينطفئ. نعم لا ينطفئ! فقد اتت بعد دقائق قليلة سيارات الإسعاف بلونها الاحمر وصفاراتها المدوّية تلاها سيارات الشرطة. اكتظّ المكان بالشرطة وبأنابيب الماء التي تحاول اخماد النيران. مرّ النهار بصعوبة فقد تعب رجال الاطفاء من محاولة اخماد الحريق، لكن لمعت بارقة امل في اعينهم عندما تقلّص الثقب من فوقهم وشاهدوا الحريق يقلّ لهيبه. وعندما ادرت وجهي وقررت الرجوع إلى البيت اوقف رجلّي مشهد جديد امامي، فخلال حشود الشرطة المبصرة بذهول خرج دب قطبي ضخم الجثّة، سار نحو الحريق المشتعل ودون سابق انذار القى بنفسه هناك، وتعالت بعد ثوانٍ في الهواء رائحة اللحم المشوي وتكسّر العظام جرّاء الحرارة العالية. خمد بعدها الحريق بسرعة لا تصدّق وتقلّص الثقب في صفحة السماء حتى واشك على الاختفاء، وفي اللحظة التي برزت فيها عظام الدب المتكسرة والسوداء من بين الرماد اختفى الثقب وساد المكان صمت مطبق لم يقطعه سوى صرخة شرطيّ قال للجميع «انظروا هناك ـ وهو يشير صوب الشمال ـ دب قطبي آخر»! عندها ادار الجميع رؤوسهم باتّجاه يد القائل وسمعوا، او تخيلوا انّهم سمعوا، صوتاً يصدر من الدب القطبي محدّثًا اياهم «لا تقلقوا، فأنا التالي»!



