العجوز الحكيمة

محمد قشتو ـ المغرب
بلغت العجوز الشمطاء من العمر ما لا يعد ولا يحصى، لا أحد يعرف متى ولدت ولا متى تموت، لكن الجميع يعلم أماكن حلولها وترحالها، غالبا ما يراها الناس تتوكأ على عكازها ممتطية الشارع بحذر شديد، وكأن حذرها ينبئ عن شيء قد يباغتها ويهدد سلامتها، بعدما ضعفت في هاته الأواخر من عمرها وتكبدت معاناة جميع أنواع التنكيل.
تستيقظ قبل المستيقظين منا، وتتوجه كل صباح في غالب الأمر إلى المحاكم القضائية وإلى جميع الإدارت العمومية والخصوصية، لكن قلما تأخذ حظها الوافر الأوفر في هاته الأماكن، وكأن حظها في دهرنا هذا قد خاصمها وعاندها وأبى إلا أن يكون معاكسا لها، بعكس ما كان بجانبها غالبا في ما مضى كما أنبأتنا أمات الكتب عنها..
في السنة الأخيرة حل بها سقم عظيم، وألم حبيس شطب بها وجه الحياة، وأذهب عنها ذلك الرونق البهيج الذي يظهر باديا على طلعتها عندما ينظر إليها المظلومون طامعين في حكمتها التي تظل الورقة الأخيرة في ملف نجاتهم.
كاد هذا المرض العضال أن يجرد منها الروح فتظل جثة هامدة، لكن الروح التي جعلت فيها ذات قوام عظيم، فرغم إجحافها وإلحاق الضرر بها ما زال منها الإسم ينطق.. وغالبا ما تتداول الألسن عنها بعد الجلسات العلنية: (غابت العجوز الحكيمة) فلا ندري أن العجوز حاضرة وإنما حكمتها هي التي غابت عن التطبيق، تظل مستندة على الجدار وكثرة الأوراق والمذكرات.. لكن لا أحد يراهن على تطبيق أوامرها الواضحة المتضحة البارزة الصائبة..
تمني العجوز الحكيمة نفسها في كل يوم جديد، وفي كل قضية جديدة في جميع بقاع العالم أن تظفر بحظها وتتبث وجودها العادل، لأنه لا يمكن أن تتصور نجاح قضايا هذه المجتمعات بدونها، سمعنا أنها غالبا ما تظل قوية في بلاد الغرب، لكنها ضعيفة في بلاد العرب، هي التي سجنت رؤساء دول كبيرة بحكمتها عندما فسدوا، وشاءت أن تسجن رؤساء العرب لكنهم إتخذوها رياءاً واستهزاءاً واستهتارا داخل المذكرات لا غير، كل ذلك كان جراء إيمان الغربيين أن بناء المجتمع ينطلق من بناء الذات، وإيمان العرب كذلك بأن بناء الذات ينطلق من هدم المجتمع.
أصبحت في السنة الأخيرة تعبر الشارع في العاصمة.. نعم في العاصمة الإقتصادية كل صباح موعود، وفي كل جلسة لا يبالي بها أحد، وحضورها أشبه بغيابها، تترك منسية في زوايا البنود والإصدارات، وتظل حبيسة المجال النظري، حتى أتى عليها ذلك اليوم..
كعادتها تدخل مع دخول هؤلاء الرجال ذوي هذه البدلة الخضراء والسوداء، تنتظر بفارغ الصبر من يتفقدها لعل فيهم من يعي حكمتها البالغة، تنتظر.. تنتظر.. تنتظر…
المتهمون يدخلون القاعة وهم مساقون وأيديهم مطوية للخلف، تبصرهم العجوز فتلقي عليهم بسمة كلها تفاؤل وأمل، وبدورهم فرحون من وجودها داخل القاعة، وقد أصابت في قلوبهم طعما للراحة والإطمئنان، يولي الرجل الذي يسير الجلسة عينيه حتى تقع على العجوز فيتجاهلها ويمر بعينه إلى ما بعدها، وكأنه لا يعترف بحكمتها ولا يقيم لها وزنا خالصا.أستمع للجميع في عجالة تحت سؤال من الرجل ذي البدلة الخضراء: هل عندك ما تضيف؟ حتى جاءت لحظة الحسم، فاستبشرت العجوز خيرا وهي متحمسة وفي نفسها أمل لإعادة مجدها وقد بدت بسمتها على تجاعيد وجهها الفاني المنكمش، وتلقي بمرآها في كل حين بين طلائع المتهمون.
يقف الرجل بعد مشاورة خفيفة بين الجالسين بجانبه، فيملأ فيه بأحكام جاهزة فيقول في ذهول من الحاضرين: فلان وفلان وفلان وفلان عشرين سنة، وفلان خمس عشرة سنة، وفلان عشر سنوات، وأما فلان فخمس سنوات، تصعق القاعة بالصراخ والبكاء ومجموعة من الألفاظ غير المفهومة، أما الديمقراطية العجوز فقد خرت إلى الأرض ولا أحد يكترث لما أصابها، وربما وطئت على جثتها أرجل كثير ممن عني بها.في تلك الساعة يساق المتهمون إلى زنازنهم، وتجهز الديمقراطية للغسل والتكفين بعدما لفظت أنفاسها، ونحن بدورنا ننتظر ديمقراطية جديدة تصعد من الأرض، أما تلك التي نزلت من السماء فقد أقيمت عليها أربع تكبيرات.



