النسخة الرقميةثقافية

المرأةُ والاغترابُ في قصص الكاتبة المغربية «فاتحة مُرشيد»

القسم الاول

د. وليد جاسم الزبيدي

تطوي صفحاتِها بعد عناءِ الروايةِ، للولوج في مسالك فنٍّ آخرَ لا يقلّ مشقةً عن سابقيه (الشعرُ، والرّوايةُ)، ألا وهو (القصّة) تتحفُنا -الدكتورة فاتحة مُرشيد – باصدارٍ مميّزٍ معطّرٍ بأريجٍ يحبّرُ بياضَ الورقِ بمجموعةٍ قصصية بعنوان (لأنّ الحُبّ لا يكفي) الصادرةُ عن المركز الثقافي للكتاب، للنشر والتوزيع، الدار البيضاء – المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م. وصدرَ الكتاب باللّغتين العربية والانكليزية، فكانت الانجليزية من إنجاز الاستاذ نور الدين زويتني.تصدّرت المجموعةَ مقولةُ (إيميل سيوران) ؛ (1911م-1995م) فيلسوف وكاتب روماني نشر اعماله باللغتين الفرنسية والرومانية ؛ ومقولته: (لوكانَ آدمُ سعيداً في الحُبّ لجنّبنا التاريخ.).وتقع المجموعةُ في (176)صفحة، تضمّ ثماني قصص بأساليبَ فنيّةٍ مختلفةٍ، في الشكلِ والتناولِ والقضيّةِ والرؤيةِ؛ والقِصَصُ هي: (السّرُ في الأنامل؛ إدمان؛ اللعنةُ الجميلةُ للشعر؛ عدوى الحُبّ؛ مسلسل تركي؛ لأنّ الحُبّ لا يكفي؛ لأنّني أستحقّهُ؛ شراك الحنين.).
لماذا القصّة؟
كيفَ لكاتبةٍ أن توفّقَ في مشوارها الأدبي، بالتنقّل بين فنونٍ وأساليبٍ واتجاهاتٍ مختلفة، فقد بدأتِ الدكتورة(فاتحة مُرشيد) مشوارها في الانتشارِ والذيوع في الطبع والتوزيع مع الشعر، فكانت الدواوين (ايماءات/2002، ورق عاشق/2003، تعال نمطر/2006، أي سواد تخفي ياقوس قزح/ 2006، آخر الطريق أوّله/ 2009، ثم ما لم يقل بيننا/2010، انزعْ عنّي الخُطى/2015)؛ ثم جاءت كتابة الرواية في روايات( لحظات لاغير/ 2007، مخالب المتعة/ 2009، الملهمات/ 2011، الحق في الرحيل/ 2013، التوأم/ 2017). نلاحظُ هذا التنوّع الكتابي المعرفي في كتابات د. فاتحة مُرشيد، لماذا؟ وكيف..؟
كيف يمكن لشاعرة أن تكون روائية وقاصّة وأن تجمعَ هذا الكل في قلمٍ ومدادٍ وورقٍ عاشقٍ واحد..؟
لأن المشاعر والابداع لايحدّهُ شكلٌ معيّن، أو بناء كونكريتي لا يمكن تغييره أو العبث بهِ، فالأفكار وما يعتلجُ في الذات وفي العقل الباطن، وما تكتمهُ الأسارير مع امتلاك الأدوات الابداعية ومواكبة التقنات في السّرد، ومعرفة استخدام مفاتيح الكتابة ونحت الأفكار، تُبنى وتُخلق ثم تولدُ بشكل ولادتها فتأتي مرةً شعراً، وتارةً روايةً، وأخرى تأتي قصّة. هكذا هو الكاتب المبدع، لايخطّط ولا يقرّر كيف يكون الوليد الجديد، بعد مخاضٍ ومعاناةٍ، فما أن ينتهي من هذا الصراع والتقويض والبناء، حتى ينتبه كيف كان نتاجه وتحت أي مُسمّى أو شكل.
عنوان المجموعة: (لأنّ الحُبّ لا يكفي)
لماذا أختارتِ الكاتبةُ هذا العنوان؟ هذا أولاً، ثمّ أ الحُبّ سلعة أو كميّة من الهواء؟ هل هو جرعات علاج..؟ ؛ ولماذا لا يكفي..؟؛ عنوانُ يستفزّ المتلقي، فيه من الغرائبية مما تدعو القارئ الى البحث في المجموعة للوصول الى أجوبة أسئلته.
فالحبّ دونَ كرامة، دون أموال، دون عيش كريم، دون فكر، دون حريّة، دون احساس حيّ، دون .. ودون… لا يكفي، ولا يكتمل..؟!! فلا حبّ بالمطلق، وكثيرةٌ هي التجارب التي شاختْ فهرمتْ فماتتْ، وعديدةٌ المحاولاتُ التي ما استطاعتْ أن تقتحمَ جدار العادات والتقاليد، جدار القوانين والأعراف، كثيرون من الأحبةِ منْ هربَ، أو انتحر، نتيجة الفشل؛ إذنْ الحبّ لوحدهِ لا يكفي بل يحتاج الى مقوّمات نهوضهِ واستمراره. وقصص الحب في تراثنا الأدبي شاهدةٌ على بيان نهايات العلاقات مثل(روميو وجوليت)، و( قيس وليلى)، (قيس ولبنى)، ..الخ، سرعان ما انتهت وكانت خواتيمها تراجيديا .
المرأة في المجموعة القصصية
في كل أعمالها (شعر، رواية، قصة) تظلّ المرأةُ هاجساً وقطباً مهماً في الفكرة والهدف والنتيجة، كتاباتها من بنات الواقع، بما تعيشهُ المرأة والانسان عموماً من اضطهاد وحرمان ودمار وحروب بكل أنواعها وتصانيفها. في هذه المجموعة نقرأ ونتابعُ المرأة ومعاناتها، والضغوط المجتمعية.
الوجه الأول للمرأة /بصورة شهرزاد:
ففي القصة الأولى (السّر في الأنامل/ ص11-34) صورة للمرأة، ولظاهرة ما عادت خفية أو سريّة، في المجتمع المغاربي أو العربي عموماً، هو الاشتغال في صالونات وحمامات وأماكن خاصة تسمّى (للتدليك) وهي تسمية مهذبة .
في هذه القصة نرى (شهرزاد) التي يستغلها رجل اسمه (سعيد) لتعمل في مهنة التدليك الباعث للاسترخاء، يدّعي بأنه يعشقها ويخطّط معها أن تستحوذ على قلب صاحب المحل (صالون التدليك) وأن يتزوجها وبعدها يتم قتله منهما. إلا أنها تكتشف بعد حين ما يخطط له غريمها (سعيد) باستخدامها جسراً لأهدافه ونزواته لقتل الرجل (مسيو فيليب، فرنسي، في السبعين من عمره، استقرّ بمراكش) ، وبعدها يتزوج من امرأة أخرى يعشقها (ليلى).
الوجه الثاني للمرأة/ الرقيقة الحائرة:
والصورة الأخرى للمرأة في قصة( اللعنة الجميلة للشعر/ ص47- 52) حيث يكونُ ديوان شعري عنوانهُ( ورق عاشق) وهو ديوان الشاعرة الروائية القاصّة (فاتحة مرشيد) وما يحملهُ من عشق ورومانسية تعلّقُ إمرأةٌ عليهِ مشكلتها وما اصابها من علاقة حب مجنونة مع رجلٍ أهداها الكتاب(الديوان) لأنهُ خيرُ لسان حال يعبّرُ عن حالة العشق التي يعيشها، إمرأة متزوجة وأم لولدين، والرجل( آدم) أعزب فاقَ عمرهُ الأربعين ، وهما يمتهنان مهنة التدريس في مدرسةٍ واحدة، المرأة تُدرّسُ الرياضيات والعاشق (آدم) يُدرّسُ العربية. هذه المرأة التي وضعت حالها في هذه المشكلة، أرادتْ حلاً من صاحبة الديوان (ورق عاشق) ..؟؟ لتنصحها بالعودةِ الى بيتها وعائلتها وتعدّ ما مرّتْ بهِ كان حلماً جميلاً وانتهى. والمفارقة في نهاية القصة للدلالة على أن المرأة عادتْ لوعيها أنها تركتْ لعنة الشعر (ديوان ورق عاشق) مركوناً على الطاولة، لتتحرّر من هذه اللعنة.
الوجه الثالث للمرأة/ المرأةُ الحُلم:
في قصّةِ (عدوى الحُبّ/ 55-58)..تبدأ القصّةُ بعبارة( هو الحبّ هكذا.. لايحترمُ سوى نفسه. / ص55). قصّةٌ أخذتنا الى الأجواء الرومانسية الصادقة التي كان يحياها النّاس سنوات الثمانينات من القرن الماضي،في غياب التقنات الحديثة ( وسائل الاتصال-الموبايل، الانترنيت..)، فيها يعيش العاشقُ على احلام ومواعيد وذكريات، وكيف يكتبُ الرسالة ليمزقها عشرات المرّات حتى يقتنعَ مع آخر ورقةٍ على ما سطّرَ فيها من مشاعر، قصّة امرأةٍ يحلُمُ بها عاشق ويهيم بها وهي لا تعلم، هذا الشاب والطالب الجامعي هو (مراد) ، والحبيبةُ هي (مريم) من بنات مدينته، فكان يتحدّثُ (مراد) الى صديقه كل شيء عنها حتى يصفها لهُ بكل تفاصيلها في كلّ ليلةٍ يتسامران معاُ حتى حفظَ صديقهُ قصصَ صاحبهِ العاشق بل وحفظَ الرسالة التي كتبها وهو قد قرّرَ أن يرسلها بيد أخته عند رجوعه اليها لتعرف مدى حبه، وما إن تمرّ الأيام حتى يتوفّى العاشق (مراد) قبل رجوعه الى أهله، مما يجعل الرسالة بيد صديقه، الذي يذهب الى أهله للتعزية ويلتقي بحبيبة صديقه (مريم) التي عرفها من وصف صديقه (مراد) لها، وقد طلب منها في العزاء، بأن سيرسل رسالةً اليها بيد أخته ، وهو إذ أرسل ذات رسالة صديقه المتوفّى وهو لم يغيّر شيئاً سوى اسم المرسل حيث كتبَ اسمه، فتزوّج منها، وأنجبا ولداً أسماهُ (مراد)؟!
قصّةٌ تبعثُ على الادهاش، فالقصّةُ تبدأ وتنتهي بلسان صديق (مراد) ، الراوي، كما أن الكاتبة تعاملت مع هذه القصة تعاملاً طبياً، بدءاً من العنوان(عدوى) حيث نظرتْ الى الحب من الجانب الطبي، وكأنهُ فيروس يمكن أن ينتقلَ بالعدوى بين صديقين، فما دامَ [الراوي] في القصة هو صديق (العاشق/ مراد) فصوّرتْ لنا الكاتبة حالة انتقال هذا (الحب/ الفيروس).
والادهاش أن الكاتبة لم تخبرنا اسم الراوي للقصّة؟! لماذا؟ وجعلتْ من هذا الراوي لسان حال القارئ ، أو المتلقي، فماذا تسمّي هذه القصة أ هي خيانة الصديق لصديقه..؟؟ أم هي وفاء له..؟؟؟ أسئلةٌ تظلّ قائمة أمام المتلقي..؟؟ وما ذنب هذه المرأة التي لا تعرفُ بمشاعر انسان ظلّ سنين لم يصارحها؟، ولم تعرف مشاعره..؟؟ فتزوّجتْ من صديقهِ الذي بعثَ برسالة العاشق الذي وافاه الأجل.
الوجه الرابع للمرأة/ المرأة الأرملة:
في قصة (مسلسل تركي/ ص61-66)، أولاً، لماذا مسلسل تركي؟ لأن المجتمع العربي أبتلي بالمسلسلات التركية التي غزت الشاشات وكل وسائل الاتصال، وبعدد كبير من الحلقات وعلى أجزاء عدّة، بما تمتلكهُ من أساليب فنّية ووجوه ومناظر، فضلاً عن استخدام دبلجة الحوار باللهجات العربية مما يجعلها أيسر في فهم ومتابعة المتابع العربي، وقد أصبحت المجتمعات العربية مهووسةً بها.تطلّ علينا المرأةُ الأرملة( خديجة) التي كانت قبل وفاة زوجها، تعمل في القطاع المصرفي، وأخفتْ رغباتها خلف رغبات زوجها الذي كان منطوياً على نفسه، الهارب من الناس ومن الحياة. كانت شخصيتها مهزوزة، لم تحتفظ بأي حق لها، كانت تابعة بكل الأمور لما يقرره الزوج، فالرجل هو صاحب القرار وهو الذي يمتلك طابع المسؤولية، وهو الذي يقول (لا) و(نعم).وصديقتها (آمال) المرأة المطلقة، تلتقيان بعد حين، بعد وفاة زوج (خديجة)، لتشعرا بالحرية والخروج من قيود الحياة الزوجية، فتخططان وتسافران وتمارسان الرياضة وترتدان صالونات الحلاقة والسينما والمسرح، لتعويض ما فاتهما في حياتهما مع زوجهيما وما خسرتاه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى