النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

38

المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ السَماوي يحيى يعتقد أَنَّ بمقدورَ القصيدة ترميم جزء مِنْ هَذَا الخراب الَّذِي حوّل العراق الى مكبِّ نفاياتٍ بَشَريَّة ظلامية إجرامية، وَأرخبيل دويلات هشة أفرزها مستنقع المحاصصة الَّذِي حفره المحتل الأمريكي. وَلعلَّ مِنْ جملةِ مَا دلنا عَلَى هَذَا اليقين الأديب والمترجم السوري عبد اللطيف الأرناؤوط فِي دراسته الموسومة « الرؤية الوطنية في ديوان البكاء عَلَى كتفِ الوطن «، وَالَّتِي يؤكد فِيها رؤيته بالقول : « محنة الوطن هي محنة الشاعر يحيى السماوي، وهي من أكبر الأحداث التي هزّت الضمير الإنساني، فلا غرابة أن ينذر الشاعر قلمه لتصوير وقعها في نفسه، فقد غادر السماوي وطنه العراق هربا من الظلم والاستبداد الديكتاتوري على أمل العودة إليه في ظل نظام يغدو فيه العراق وطنا للجميع يخلو من القهر والاضطهاد، لكن أمله خاب حين بدت له مأساة الاحتلال لا تقلّ فداحة عن الحكم الاستبدادي، فآثر البقاء في منفاه يمزقه الألم، وقد تخلى العالم كله عن وطن وشعب كان عبر تأريخه منهلا للحضارة ومنبعاً للعطاء الإنساني «. وَقد وصل الأرناؤوط إلى استنتاجاتٍ أجملها فِي قولِه : « وهكذا يبرز صوت الشاعر يحيى السماوي شاعراً مقاوماً للديكتاتورية مثلما هو مقاوم للإرهاب والاحتلال والظلاميين وأصحاب الحوانيت السياسية وسارقي قوت الجياع… فهو مع المظلومين في حربهم العادلة ضد الظلم، مع المهمشين والمسحوقين ضد ذوي القفازات الحريرية، ومع أراجيح الأطفال ضد دبابات الاحتلال… إنه مع العراق الواحد الموحد ضد كل ما من شأنه تفتيته وتشظيته «.
لي وطنانْ
الأولُ يمتدُ كحبلِ السُرَّةِ
يربط بين نخيلِ البصرةِ
وبساتينِ التينِ بكردستانْ
ينضحُ عشباً . . وحبوراً . . وأمانْ
الثاني من ورقٍ
أغرسُ فيه زهورَ العشقِ
فتنبتُ شعراً ومناديلَ حريرٍ
وأنا ما بينهما طيرُ أغانْ
لكنْ
في آخر تكبيرةِ فجرٍ من شعبانْ
من عام الفيلِ القوميِّ احترقا
فاذا الوّطنُ الأولُ قّفْرٌ
والثاني عصفٌ . . ودخانْ !
لي قبرانْ
الأولُ في قلبي
حيث دَفَنْتُ بلاداً
كانت يوماً ضاحكةَ الشطانْ
الثاني جسدٌ لا يعرف
أين تقيم الروحُ الآنْ
وأنا ما بينهما تابوتٌ يتمشى . .
صرخةُ صمتٍ تطلقها في كهفِ المنفى
حنجرةُ النسيانْ
مِنْ المعلومِ أنَّ السَماويَ يجهر فِي عدّ وَطنه عشقاً سرمدياً، فقد كتب الكثير عَنه غزلاً بمرابعِه، وَفخراً بِعظمةِ مآثره وَحزناً مشوباً بالبكاءِ عَلَى فجيعته. وَحوّل هَذَا المعنى يشير رئيس مؤسسة المثقف الأديب العراقي وَالباحث في الفكرِ الديني ماجد الغرباوي إلى ذلك قائلاً : « اللافت في موقف الشاعر يحيى السماوي أنه توحد بالوطن وتلبس به حتى أنه أصبح يرى في خلاص وطنه خلاصه الشخصي «. وَلأَنَّ العراق بالنسبةِ للسماويّ كنفحاتِ عطرٍ فِي روحه، يسجل الدكتور باسم خيري خضير فِي مقدمةِ كتابه الموسوم « التماسكُ النصيُّ في شعر يحيى السماوي « مَا نَصه : « السماوي شاعر ينعم بوطنه، أجبر على مغادرته، فحمل وطنه معه في وجدانه، لم يتحمل فراق وطنه، فكان تميمته التي لا تغادره، كان وطنه حبيبته التي يسعى للفوز بدفء فراشها، كان وطنه أمه التي لم يمل قبلاتها على جبينه، كان وطنه شقوق أرجل والده الذي أعياه طول الزمان «. ولعلَّ مَا أثارَ استغرابي وَأنا أعيد قراءة نص الدكتور خضير المذكور آنفاً لِمَا يزيد عَلَى خمسِ مرات، خلوه مِنْ الإشارةِ إلى سماءِ السَماوي التاسعة. وَعَنْ قوةِ آصرة ارتباط السَماوي بوطنِه وَهاجسه المشدود إلى ترابِه، فضلاً عَنْ جمالياتِ قصائده وَقوة شاعريته، يشير الأستاذ الدكتور صدام فهد الأسدي إلى الشاعرِ السَماوي بالقول : « يتماهى حباً وتضحية في فداء وطنه على البعد بتجربة مميزة، واقول بحق أن السماوي يحيى خليفة الفرزدق قديماً، والجواهري حديثاً بعيداً عن الألقاب «. وَفِي إشارة أخرى يقول الأسدي : « لا يقف احتراماً للنبلاء إلا النبلاء الشرفاء.. ولا يغوص حتى الأعماق السحيقة إلا المهرة الذين يتقنون فهم الأرواح بطريقةٍ فريدة «. كذلك أشارت الشاعرة وَالناقدة السعودية الدكتورة فاطمة القرني إلى منجزِ السَماوي يحيى الشعريّ بالقول : « لا عجب في أن تتداخل هاتان الكينونتان إلى حد التماهي في تجربة استثنائية، التشظي بعمق ومرارة التجربة العراقية «.
سـأقـيـمُ ـ مـن تـلـقـاءِ حـزنـي ـ مـهـرجـانـاً لـلـفَـرَحْ
أدعـو إلـيـهِ أحـبّـتـي : الأنـهـارَ والأشـجـارَ والأطـيـارَ والأطـفـالَ والـعـشـاقَ
والـعـيـدَ الـمـؤجَّـلَ فـي تـقـاويـمـي وأقـواسَ الـقُـزَحْ
أتـلـو بـهِ نـدَمـي عـلـى أخـمـارِ مُـغـتـبَـقـي وكـأسِ الـمُـصْـطـبَـحُ
لأنـامَ مـقـرورَ الـرَّبـابـةِ والـمُـدامـةِ والـقَـدَحْ
***
هـأنـا وحـديَ فـي الـقـاعِ
نـديـمـايَ : الأسـى والـلا أحـدْ
لـم تَــعُــدْ تُـجـدي لإخـراجـي مـن الـبـئـرِ حِـبـالٌ مـن مَـسَـدْ
أيـهـا الـرافـعُ سَـــقــفَ الـكـونِ مـن دون عَـمَـدْ :
أطـبَـقَ الـحـزنُ عـلـيـنـا
فـارفـعِ الـغـمَّـةَ عـن هـذا الـبـلـدْ
ســاسـةُ الـصُّـدفـةِ مـا أبـقـوا لـنـا مـن خـيـمـةِ الـيُـسـرِ وَتَـدْ
كـلُّ بـحـرٍ ولـهُ جَـزرٌ ومَـدٌّ ..
وحـدُهْ بـحـرُ عـراقِ الـيـومِ فـي مـأسـاتِـهِ : مَـدٌّ ومَـدْ !
فـأغِـثـنـا أيـهـا الـفـردُ الـصَّـمَـدْ !
***
مِنْ بَيْنَ مَا قرأته عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر فِي صفحاتِ أحد المواقع الإلكترونية مَا ذكرته الشاعرة وَالأديبة الفلسطينية شادية حامد – الَّتِي جبلت عَلَى معاناةِ الاحتلال وَبقيت وفية للمقاومة – قائلة : « أستاذي أبا الشيماء مذكراتك لوح مقدس يجمل همومنا لأننا مررنا من خلاله إلى ذلك الأسى الكبير في احتراق وأتون لا ينتهي من الوجع «. وقولها أيضاً : « السماوي ..حد السماء.. كيف لي أن لا أدمن سطورك…وأن لا أجوب الصفحات بحثاً عن نورك….وأنت تصنع هذا المجد من الألم والقهر…وتعزف على أوتار أرواحنا بأناملِ الألق.. لتدوّي ترانيم القلوب الشجية بفسحاتِ معابد الارواح… …فالإبداع الساحر ليس إلا … وليد الألم «. وَحين نُمعن النظر فِي هَذِه الرُّؤية، فلا غرابة فِي أنْ نجدَ مَا بَيْنَ صفوف الأدباء وَالباحثين وَالنقاد الكثير مِمَنْ أماطوا اللثام عَنْ اِستراتيجيةِ الخطاب الشعري عند السَماوي مِنْ خلالِ تسليط الضوء عَلَى العواملِ المؤثرة فِي شعرِه وَمَا عنيَ بجزالةِ لفظ قصائده، بالإضافةِ إلَى مَا تحمله مِنْ صورةٍ فنية وَأفق جمالي. وَلعلَّ مِنْ بَيْنَ تلك الفعاليات الرصينة، مَا ذكرته الأديبة والكاتبة السعودية بلقيس الملحم بقولِها : « لأنه شاعر استثنائي ولا يكرر نفسه، صرت قريبة من الظن بأن دراسة شعره لم تعد من الفروض الكفائية ليسقط عن الباقين في حال قيام البعض بها!!… أنا أستحث نفسي لتأكل من – رغيف السماوي- والذي أصبح ميزة تتميز به نصوصه الرائعة «. وَفِي مطلعِ عام 2009م كتب الشاعر السوري فاروق طوزو مَا نصه : « هذه القامة الشعرية الكبيرة التي تدل على عدم فراغ الساحة رغم احساسنا بذلك في قليل من الأحيان. وهي دلالة على عدم درايتنا الكاملة بكل القامات العالية في حقول الشعر العربي، فحين قرأت للشاعر الكبير يحيى السماوي وكنت سابقاً سمعت باسمه العالي، لمتُ نفسي كثيراً لأنني لم أقرأ له ثم علمت كم هي مليئة ساحة الشعر بقامة تبعث الغيم والربيع والرياحين… يحيى السماوي فجر وربيع، وجمال صونٌ للشعر، وأجمل الكلام دوام للذة الحرف سلام وثقافة ونضال وتاريخ محبة «.
* *
بَيْنَكِ والنَّخِيلْ..
قَرَابَةٌ..
كِلاَكُمَا يَنَامُ في ذَاكِرَةِ العُشْبِ..
وَيَسْتَيْقِظُ تَحْتَ شُرْفَةِ العَوِيلْ.
كِلاَكُمَا أَثْكَلَهُ الطُّغَاةُ والغُزَاةُ..
بِالحَفِيفِ والهَدِيلْ.
وَهَأَنَا بَيْنَكُمَا..
صُبْحٌ بِلاَ شَمْسٍ..
وَلَيْلٌ مَيِّتُ النُّجُومِ والقِنْديلْ.
* * *
لاَ تَعْجَبِي إِنْ هَرَمَتْ نَخْلَةُ عُمْرِي..
قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِئَ المِيلاَدْ.
لاَ تَعْجَبِي..
فَالجَذْرُ في « بَغْدَادْ»
يَرْضَعُ وَحْلَ الرُّعْبِ..
وَالغُصُونُ في « أَدِلاَدْ «.
وَهَأَنَا بَيْنَكُمَا..
شِرَاعُ سِنْدِبَادْ.
يُبْحِرُ بَيْنَ المَوْتِ والمِيلاَدْ».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى