النسخة الرقميةثقافية

مقاومة «التطبيع» مسألة محورية في المواجهة و في استمرارية القضية الكاتب الجزائري محمد بن زيان: «متاهة المغراوي» تمثل الذاكرة والمكان ومسارات التاريخ الجزائري المعاصر

المراقب العراقي/ جمال بوزيان ـ الجزائر

مِمّا لا شكّ فيه أنّ أنصار الحقيقة ـ كُلّ الحقيقة ـ في هذا الكون يتزايدون باستمرار؛ قدْ ينـزاح العقل الإنسانيّ في مَرحلة من مراحل عمره نحو مسارات مُؤثِّرة تأثيرًا إيجابيًّا أو سلبيًّا ـ لأسباب عديدة ـ؛ لكن سُرعان ما يصحو فيعود مُوجِّهًا بوصلته نحو الـمَعرفة والاتّجاه الصّحيح باحثًا عنِ الحقيقة بأدوات الحقيقة لا الوهم بعيدًا عن هالة القداسة والأحكام الجاهزة والتّصنيفات غير الدّقيقة عِلميًّا.ضيْف اليومَ؛ مُنفتِح على جميع التّيّارات الفكريّة ومُتواصِل مع تَجاربَ كثيرة؛ يَنشُد الحرّيّة؛ يَكتُب بعمق؛ يَنتشي عقله عند كُلّ إرادة؛ يزهو قلمه حين الآراء المتعدّدة؛ ديدنه النّقد الصّحفيّ الّذي يَغلب على مقالاته في سياقاتها وأنساقها فهو صاحب رأي بيقين وذو مراس طويل في الحقل الواسع للكتابة الصّحفيّة ومِن ثَمّة التّجربة الأدبيّة.
قدْ يُدرِك القارئ الكريم اتّجاه الكاتب منذ أوّل وهلة؛ وقدْ يَعرف مرجعيّته الفلسفيّة وقناعاته الفكريّة ومنهجه النّقديّ من خلال كتاباته حول بعض الإصدارات؛ ذو رصيد معرفيّ ثريّ؛ كان عضوًا نشطًا ضِمن جمعيّة «آفاق» الثّقافيّة بوهران؛ كَتب دراسات متنوّعة لعدّة مجلّات عربيّة؛ ونُشِرتْ مقالاته في أكثر من 50 عنوانًا صحفيًّا جزائريًّا وعربيًّا… يَشتغل حاليًا في صحيفة الـجُمهوريّة.
له إلمام تامّ بعالَم الصّحافة الورقيّة والإلكترونيّة؛ انبلج فجر قلمه وبدأ يتدفّق نِتاجه الأدبيّ ومُتابَعاته الصّحفيّة النّقديّة لكثير مِنَ الـمَشاهِد السّياسيّة والثّقافيّة والأدبيّة والفنّيّة.
هو كاتب صحفيّ وناقد و روائيّ تَستحقّ أعماله القراءات الهادئة والنّقاشات الهادفة عبْر حوارات «الرّأي والرّأي الآخر»… سألتُه ـ في هذه العُجالة ـ عن تجربته في الكتابة ومشروعاته؛ وعلاقة المؤسّسات الإعلاميّة والصّحفيّة بالتّنمية الثّقافيّة؛ وعن آرائه في كثير من قضايا الواقع العربيّ الـمُرتـهَن والعالَميّ الـمُلتبَس؛ وغيرها منَ الأسئلة.
* مَن محمّد بن زيان؟
ـ من مواليد 10 تشرين الاول 1965 م بوهران، كائن يسعى لتحقيق معنى لوجوده.. تحقيق إنسانيته ومُواطَنته.. أبحث عنِ المعنى ويرافقني السؤال.
* كيْف بدأتَ الكتابة الصّحفيّة؟
ـ بدأتها منذ الصغر.. كنت منغمسا بمتابعة ما يحدث.. وكنت أسجل ملاحظاتي وتأملاتي، وبدأت مراسلة الصحف منذ 1986 م.
* هلْ تَذكُر أوّل مَقال صحفيّ كتبتَه؟
ـ أول مقال كان في «أسبوعية أضواء» حول «خصائص الثورة الجزائرية»، وبالتزامن معه مقال في «صحيفة الـجُمهورية» تعليقا على قرار وزاري بشأن «درس الجمعة».
* حدِّثنا عن كتاباتكَ في «رسالة الأطلس» الأسبوعيّة؟
ـ بدأتُ الكتابة أسبوعيا في رسالة الأطلس عام 1999 م، وقد بدأتِ الصلة دون ترتيبات.. أرسلتُ مقالة ثم تبعتها مقالات، واستمر ذلك حتى عام 2002 م، كانت تجربة متميزة ومهمة في مشواري.. وهي بمثابة إعادة تفعيل مساري الكتابي.
* ماذا عن تجربتكَ في الكتابة الأدبيّة؟
ـ التجربة الأدبية هي المنطلق.. فالكتابة ارتبطت بحياتي.. وكنت دائما أعيش عزلة، ولا ملاذ لي سوى صفحات تمتد للبوح.. كتبتُ رواية «متاهة المغراوي» وهي جزء من سلسلة نصوص حاولت فيها تمثل الذاكرة والمكان ومسارات التاريخ الجزائري المعاصر.. هي رواية عن المصير بكل تشابكاته… منها هذا المقطع:»… في وحشة التوحد فريسة المنفى كانت جرثومة تكبر في جوفي، دمي يتلبس بنفثها وخلاياي تنخرب بتورمها… في وحشة التوحد فريسة الوسواس ينهكني العمر ويخنقني الصمت وتشلني العتمة، ينفر النوم عني، يغشاني الأرق، تحاصرني الكوابيس، تلفني الأشباح، أبوح فيختنق البوح وأحسه يرتطم بجلمود ويعود مرتدا ليلجني قاسيا شرسا عنيفا، الليل جدار والصمت جدار والوحدة جدار والقدر جدران والجدران تضيق، ترتطم بالأضلاع، ارتطاما يصدعني صداعا يشقني شقوقا يخرج منها دخان، دخان الحرائق، حرائق… حرائق … حرائق وعرق بارد يكسوني، أحس أنه يغرقني، ظمأ حاد، أحس بالأمعاء تعوي كذئب جريح،الرجفة تنتابني، حمى وبرودة، أحس أنني في قاع عميق ثعابين وأفاعٍ تلتف بي، مطارق من حديد تتوالى طرقا على رأسي، جسدي نافورات تنزف وتكتب في العتمة بضوء رهيب حروفا تتوهج وهي تقطر، تتوهج بالحاء، حافات لحاقات، حرائق حوامة، حنين يحتد بي وشوق يشقني أصرخ يا الله … يا الله… يا الله، يرتد الصراخ وأصرخ: امنحني فاصلا للوصل، دعني أحيا… أحيا… أحيا ويرتد الصدى منقلبا… موت… موت… موت. إيه ما أقسى أن تُرمَى في الغابة وحدك أعزل مجردا من مناعتك مرميا للمجهول موجها للوحوش بل لما هو أشد من الوحوش.. وحوش مفترسة تتعسكر تنتشر وتتسور، الآثار والمآثر تحيطني كأنثى بالحراب…».
* هلْ لديكَ كتابات أُخرى؟
ـ لديّ مشروعات متنوعة، منها رواية «تغريبة التوحيدي» وهي قيْد الطباعة، و رواية «خرائط الغروب» وهي أيضا قيْد الطباعة، و»جينيالوجيا الاختيارات الفكرية والسياسية في الجزائر» سيصدر الجزء الأول منه قريبا، وكُتيَّب عنِ السياسييْن الجزائرييْن المرحوميْن «عبد الحميد مهري وحُسيْن آيت أحمد»، ومُؤلَّف عنِ الكاتبيْن الجزائرييْن المرحوميْن «عمار بلحسن وبختي بن عودة»… وغيرها.
* بانتشار القنوات الفضائيّة؛ هلْ تَرَى الرِّواية مُنافِسًا قويًّا لـ»الدّراما التّلفزيونيّة»؟
ـ لا أعتقد، بل يمكن القول أن كليهما يكمل الآخر ويفيده.. فالرواية قد تغذي المادة الدرامية، والدراما تخدم الرواية.. وهو الشأن ذاته بخصوص السينما.. ربما الإشكال الذي يطرح هو التنافس بين المقروء والمرئي.
* بعْد الانفجار التّكنولوجيّ؛ ظهر عزوف عنِ الكِتاب الورقيّ؛ ماذا تَقترح لرفع مُستوَى الـمَقروئيّة؟
ـ في كل مرحلة يُطرَح تحدٍّ، ولكن بلغة توينبي حسب نوعية الاستجابة يتحدّد المصير.. ويمكن استثمار التطور في تفعيل القراءة وخدمة الكِتاب.. فالتحدي يفرض آليات متناسبة معه .. ومن الممكن بلورة خطط لتحفيز القراءة بمواكبة النشر الورقي مع الإلكتروني.. وباستثمار مواقع التواصل لفتح نقاشات حول الإصدارات أو لتنظيم مسابقات تقدم فيها ملخصات القراءات.
* هلْ ما تَنشره المؤسّسات الإعلاميّة والصّحفيّة يَخدُم التّنمية الثّقافيّة في العالَم العربيّ؟
ـ الوضع الإعلامي يعكس الوضع العام، وبالتالي لا يمكن تقييمه بمعزل عن السياق العام بكل ملابساته.. ولا يمكن تقديم جواب مطلق، لأنه رغم الوضع هناك مؤسسات إعلامية تساهم في خدمة التنمية الثقافية، مع التوكيد على أن هذه التنمية ترتبط أساسا بمشروع دول وليس مؤسسات.
* نظرا للظّروف الّتي يَمرّ بها العالَم؛ وما يَتعرّض له أهْل الإعلام والصّحافة من اغتيال وسجن وحصار؛ ماذا تقول لأهْل السّياسة؟
ـ أعيدوا السياسة إلى الساسة، فالسياسة هي صياغة للأمل وإبداع للممكنات، هي هندسة الآفاق.. لا يمكن للسياسة أن تستقيم إذا دخلت في عداوة مع الرأي والفكر وليأخذوا المثال من «ديغول» الذي رفض اتخاذ إجراء ضد «سارتر».
* بيْن خيار التّبعيّة للقُوَى العالَميّة الّذي تَسلكه بعض الحكومات؛ والاستقلال التّامّ والتّنمية الّذي تنشده الشّعوب؛ أَلَا تَرَى أنّ كثيرًا منَ الدّول لها دور وظيفيّ إقليميًّا؟
ـ سبق للمرحوم عبد الوهاب المسيري تحليل معنى الدور الوظيفي.. وفي راهننا العربي تجسيد لذلك، ولا يمكن استيعاب ذلك بدون استيعاب تشكل النظم، وما عرفته المنطقة طيلة القرن الأخير أي منذ اتفاقيات «سايكس ـ بيكو».. لكن نحتاج إلى عقلنة التعاطي والنظر والتدبير والتقدير فالاستقلال ليس شعارا، إنه معركة مرتبطة أساسا بالتحرير النفسي والذهني.
* ماذا تقول للّاجئين منَ الـمُستضعَفين نحو قارّتيْ أوروبا وأمريكا؟
ـ القلب معهم، واتجاههم نحو الغرب ترجمة للسقوط العربي.. فعندما يغيب الحضن عند الشقيق يقصد الفار أي ملاذ.. وفي أوضاع مماثلة تفقد الكلمات قدرتها على التعبير.. لهذا كل ما يمكن قوله هو الأمل في نهاية هذا الليل.
* هلْ أزمات العالَم العربيّ فكريّة أَمْ ثقافيّة أَمْ سياسيّة أَمِ اقتصاديّة أَمْ غيرها؟ وكيْف الخروج من هذا الثّالوث «الاستعباد والاستبداد والإفساد» في العالَم العربيّ؟
ـ هي أزمة مركبة لا يمكن اختزالها في بعد واحد، ولكن الأزمة أساسا مرتبطة بالفكر، والثقافي كمنطلق، ومرتبطة عمليا بالسياسي لأنه كما ورد في الأثر «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».. والخروج من ثالوث «الاستعباد والإفساد والاستبداد» كما ورد في السؤال، يقتضي الانطلاق من معركة تحرير نفسي وفكري بصياغة العقل والإرادة.. وتجارب التاريخ تعضد ذلك قديما وحديثا، ولعل خلاصة ذلك في الآية القرآنية :»إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم».
* هلْ يستطيع الفلسطينيّون مُقاوَمة سياسات «التّطبيع» مع «الكيان الصّهيونيّ»؟
ـ ما يتصل بمسألة «التطبيع» يستدعي تفصيلا واعتبارا لخصوصية كل وضع. وفي ما يخص الفلسطينيين فإن مقاومة «التطبيع» مسألة محورية في المواجهة وفي استمرارية القضية.. ولقد وصل خيار «التطبيع» منذ أوسلو إلى الجدار.. فـ»التطبيع» لا ينتج سوى الهباء. ولكن المقاومة تفترض وتقتضي «عقلنة» وتطوير للآليات المتناسبة مع التحدي.
* في ظِلِّ الأحلاف العسكريّة والسّياسيّة الدّوليّة والإقليميّة؛ والصّراعات على النّفوذ والثّروات؛ هلْ يَحدُث تَغيُّرٌ في السّياسة الخارجيّة للجزائر؟
ـ التغيّر سُنّة الحياة، والسياسة مرتبطة بالمتغيرات.. في زمننا تغيرت المعادلات والمعطيات، تغيرا له انعكاساته. والجزائر لا تشذ عن غيرها.. هناك ما يشكل عقيدة الدبلوماسية الجزائرية، لكن السياسة الخارجية لأي دولة مرتبطة بالوضع الداخلي، وبالمحيط الإقليمي للدولة.. هناك تحولات تفرض تحدياتها على دوائر صنع القرار، وهو ما يستدعي إبداع أداء يوازن بين الحفاظ على ما تمليه العقيدة الدبلوماسية الوطنية وبين مقتضيات المتغيرات.
* ما آخر كِتابٍ قرأتَه؟
ـ رواية «جمهورية كأنّ» لعلاء الأسواني، ورواية «النبيذة» لإنعام كجه جي، وكِتاب وائل حلاق «الدولة المستحيلة».
* سعيدٌ بلقائكَ اليومَ؛ كرما لا أمرا اختمِ الـحوار.
ـ تشرفتُ بهذا اللقاء.. أرجو أن نتخلص من الأشباح، ومن الفجائع، وأن نتمكن من هندسة الأُفق… كلمتي التي أُنهي بها حواري هي أنني مشحون بقول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي:»… إن تشاؤم العقل لا يقاومه إلا تفاؤل الإرادة…»، أملي ومرادي هو الانتصار للحقيقة والسعي نحوها، وهو ما يقتضي مصالحة مع الذات وانفتاح على الآخر والتحرر من كل الأصنام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى