اراءالنسخة الرقمية

ماذا يجري في واشنطن ؟

سيد حسين موسويان
بعد استقالة كل من ركس تيلرسون وزير الخارجية السابق وهربرت مك مستر مستشار الامن القومي السابق، بذل الجنرال جيمس متيس وزير الدفاع الامريكي جهودا كبيرة ليكسب مايك بومبيو وزير الخارجية الحالي الى جانبه بشأن ضرورة الحفاظ على الاتفاق النووي، ليحول دون تشكيل محور بين بولتون وبومبيو في البيت الابيض وتشديد مسار المواجهة مع ايران، لكنه فشل.
الجنرال الامريكي المخضرم الذي يناهض سياسات ايران الاقليمية، يخالف في الوقت نفسه الانسحاب من الاتفاق النووي والحرب مع ايران، كما انه لا يخالف اتصال امريكا مع ايران وإجراء مباحثات معها بشأن المنطقة، وعليه فان بولتون الذي يرأس مجلس الأمن القومي وبومبيو رئيس الجهاز الدبلوماسي افلحا حتى الان في فرض العزلة على وزير الدفاع، لتمهيد المسار أمام سياساتهما المتشددة ضد ايران. وقد باتت اللوبيات المناهضة لإيران بزعامة تل ابيب والسعودية والإمارات في واشنطن مهيمنة الى درجة اصابت الخبراء الامريكيين ايضاً بالحيرة. مارك دوبفويتز الصهيوني المتشدد ومدير معهد الدفاع عن الديمقراطية يتزعم اللوبي المعادي لإيران في واشنطن وهو يتقاضى راتبا بنحو 600 الف دولار سنويا، في حين يبلغ راتب الرئيس الامريكي 400 الف دولار في السنة، وعندما كان الكونغرس الامريكي يدرس الاتفاق النووي شارك المشار اليه وطوال 18 شهراً في 17 جلسة استماع للكونغرس. كما ان كبار الرأسماليين الصهاينة في اميركا مثل شلدون ادلسون وبول سينغر وبرنارد ماركوس يتحركون بدورهم ولتأمين عشرات الملايين من الدولارات من نفقات الإجراءات المناهضة لايران. العربية السعودية من جانبها عقدت اتفاقيات مع 24 شركة متخصصة في تشكيل اللوبيات في واشنطن وتصرف سنويا عشرات الملايين من الدولارات على الاعلام ضد ايران. وفي حالة واحدة دفعت الرياض ستة ملايين دولار لشركة لوبيات تدعى مجموعة (ام. اس. ال.جي) لإعداد تقرير دعائي من خمس صفحات عن تدخل ايران في اليمن، وتقرير آخر يزعم ان ايران أكبر دولة داعمة للإرهاب. كما ان الامارات ايضاً انفقت وتنفق أكثر من السعودية في هذا الخصوص.
وفي احدى المرات دعا ابن سلمان شخصيا ابرز الصحفيين الامريكان الى الرياض، وقدم لهم علاوة على اقامة ضيافات ملكية لهم، تذاكر طيران من الدرجة الأولى، واسكنهم في فنادق سبعة نجوم، وصرف ساعات من الوقت مع كل واحد منهم ليوجههم ضد ايران. وبالإمكان مقارنة ذلك مع ايران التي ترفض استقبال الصحفيين الامريكيين البارزين حتى على نفقاتهم لإجراء مقابلات من مسؤولين من الدرجة الثالثة والرابعة. المحور المعادي لإيران يضع بالاعتبار فترتين زمنيتين: الاولى، انتخابات الكونغرس الاميركي في خريف هذا العام، والثانية انتخابات رئاسة الجمهورية في خريف 2020، وهم يسعون الى الحصول على الفائدة القصوى من الفوضى في الظروف الداخلية في واشنطن الى قبل انتخابات الكونغرس، لتحقيق اهدافهم المناهضة لإيران، فهم يرون احتمال ان يفوز الديمقراطيون في الانتخابات، مما قد يحول دون تشددهم ضد ايران، وفترتهم الزمنية الثانية هي الانتخابات الرئاسية القادمة لترامب، اذ يعتبرون عهد ترامب فرصة ذهبية لهم لتحقيق أهدافهم، ولهذا تواصل فرق العمل المشتركة بين اميركا والسعودية والإمارات و(اسرائيل) عقد جلساتها باستمرار لدفع خطواتها المعادية لإيران قدما في مختلف القطاعات السياسية والأمنية والاقتصادية والرأي العام. المحاور الاستراتيجية الجديدة للمربع المعادي لإيران والتي بدأت منذ أشهر عدة هي كالآتي: القضاء على الاتفاق النووي فرض مجموعة كبيرة من العقوبات الجديدة والاعلان رسميا عن استراتيجية عامة ضد ايران، والتي أعلنها من قبل بومبيو في 12 بندا بافتراض ان ايران لن تقبل أيا منها وهي مرفوضة بالطبع. دخول واشنطن في مشاورات مكثفة مع حلفائها الاوروبيين وسائر الدول التي لها علاقات تجارية نشطة مع ايران، بهدف خفض تصدير النفط الايراني الى اقل من مليون برميل، وإلغاء الاتفاقيات الصناعية والاقتصادية المهمة، وتجميد العلاقات المصرفية والمالية الايرانية. توتير الاوضاع الداخلية الايرانية عبر اثارة اضطرابات قومية واحتجاجات شعبية. تشديد الخلافات السياسية بين الاجنحة السياسية وكبار المسؤولين والسلطات الثلاث. إثارة صدامات ومواجهات ملفقة في المنطقة بهدف تمهيد الأرضية لشن هجوم عسكري محدود على ايران ولقد اخبرني مصدر مطلع ان المحور العربي المناهض لإيران تعهد لواشنطن بمبلغ 83 مليار دولار كميزانية سنوية لتنفيذ هذه الخطة، وفي كل الاحوال فان الاستراتيجية الجديدة لهذا الرباعي هي شل الاقتصاد الايراني وإثارة التوتر والاضطرابات وضرب الاستقرار داخل ايران ومكافحة الحضور والنفوذ الايراني بالمنطقة. المواجهة الإقليمية في سوريا تأتي في أولوية خطتهم الاقليمية التي يجري متابعتها على وفق ثلاثة برامج: الاول؛ ضرب التحالف الروسي – الايراني – حزب الله، والثاني؛ قطع التعاون الثلاثي بين تركيا وإيران وروسيا، والثالث، التمهيد لمواجهة عسكرية اميركية مع ايران في سوريا. وقد سبق لي ان وجهت في مقابلة مع شبكة (B.B.C) التحذير من ان هدف (اسرائيل) هو إيجاد مواجهة عسكرية مع ايران في سوريا لتجر بذلك اميركا الى المواجهة العسكرية مع ايران في سوريا، كما انهم عازمون على وقف عملية النجاحات التي تحققها الحكومة السورية في محاربة المجموعات الارهابية. الرياض كانت قد طمأنت الاميركيين في اتصالات خاصة، بان المشهد في اليمن سيتغير قريباً لصالح التحالف السعودي، ويرى السعوديون انه لم تبق فترة طويلة على حصول هذا التطور، وعليه ليست هناك من ضرورة لإشراك ايران في عملية مفاوضات السلام اليمنية. ولذا لا ينبغي لواشنطن ان تهتم بمفاوضات ايران وأوروبا بشأن اليمن.
ان مثلث تل ابيب – الرياض – ابوظبي يقول للبيت الابيض باستمرار ان رغبته لا تقوم على دخول اميركا في حرب مماثلة لحرب العراق مع ايران، بل يكفي قيامها بعملية عسكرية محدودة حتى تلملم ايران بساطها في المنطقة. ان هدفهم الخفي بالطبع هو ان يبدأ الامر بعملية عسكرية محدودة كي يضعوا اميركا وإيران في مواجهة عسكرية شاملة. ولا ينبغي ان يساورنا أدنى شك بان رباعي واشنطن – تل ابيت – الرياض – ابوظبي يتحرك بشكل أكثر جدية من أي وقت مضى لتمرير سياسة (تغيير النظام) في ايران وقد ادرج خططا عملية واسعة في جدول اعماله، وهدفهم النهائي هو خلق الاضطرابات والفوضى في ايران وبالتالي تجزئتها. وللتصدي لمثل هذا التهديد الخطير فان ايران بحاجة قبل أي شيء الى أوضاع داخلية منسجمة وموحدة، اذ ان إثارة أية شروخ داخلية في هذه المرحلة الزمنية، هي سُم قاتل، فالاستنتاج الذي تحمله فرق العمل المشتركة الاربعة في واشنطن يقوم على ان الاوضاع الداخلية الايرانية هشة الى درجة أن بالإمكان جر المواطنين الى الشوارع بواسطة ممارسة ضغوط متعددة الجوانب، وإصابة السلطة بالعجز وإسقاط الحكم. الاعجب من كل ذلك، هو ان مثلث الرياض – تل ابيب – ابوظبي طمأن واشنطن بأنه يسيطر على الاوضاع الداخلية في ايران. وثانيا، هو ان ايران لا تملك دبلوماسية عامة تتكيف مع الظروف الراهنة، وإنها تفتقد الى الحد الادنى من اللوبي في اميركا وأوروبا وسائر الدول المهمة. في حين تشكل الجالية الايرانية في خارج البلاد أهم رأسمال بالنسبة لإيران لمواجهة الوضع القائم لدى الرأي العام العالمي، لقد أعلن في الايام الماضية عن قرار الكونغرس اميركي بمعارضة شن هجوم اميركي عسكري على ايران، لكن الشيء الذي قد لا يعلمه الكثيرون، هو ان فريقا من الايرانيين المقيمين في اميركا الذين تربطهم ارتباطات طيبة مع أحد نواب الكونغرس، ويرصدون عن كثب تحركات اللوبي المناهض لإيران وهم يحملون هاجس هجوم أميركا العسكري على ايران، بذلوا مساعي جديرة بالإشادة كي ينقل هذا النائب مسودة القرار المذكور الى اللجنة المعنية ليفلح بعد اقرارها فيها بالحصول على اجماع مجلس النواب عليها. ثالثا هي ضرورة تقوية الدبلوماسية الرسمية، فلابد ان تستفيد ايران الاستفادة القصوى من الشرخ الحاصل بين القوى العالمية ورباعي امريكا – (اسرائيل) – السعودية – الامارات بشأن الاتفاق النووي، وتزامنا مع ذلك تعزيز الحوار والتعاون مع دول المنطقة كالعراق وتركيا وعمان وقطر وأمثالها لإيجاد درع دبلوماسي مناسب على الصعيدين العالمي والإقليمي. فجهازنا الدبلوماسي يتعرض لأعنف الحملات من قبل هذا الرباعي المناهض لإيران. وهذا الواقع يكفي لكي تقدم الحكومة والشعب وجميع الاجنحة السياسية في الداخل الدعم لجنود الخط الاول من الجبهة الدبلوماسية للبلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى