مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

29
مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي
يمكن الجزم بأنَّ الفقرَ الَّذِي صبغ حياة الإنْسَان فِي بلادنا بآثارِ صبغته المتمثلة بالبؤسِ وَالحزن وَالفاقة وَغيرها مِنْ أنواعِ الهموم، كان ـ وَمَا يَزال ـ أحد أقسى المشكلات الاجْتِماعِيَّة وَأكثرها خطورة؛ بالنظرِ لِمَا أحدثه مِنْ تفاوتٍ كبير فِي مستوياتِ دخل الأسر، فليس بالأمرِ المفاجئ أنْ يؤديَ الفقر المدقع إلى فشلِ دخل الأسرة فِي تلبيةِ حاجات أفرادها الأساسيّة، فضلاً عَنْ خيبةِ العوام فِي الحصولِ عَلَى فرصٍ متكافئة فِي الْمُجْتَمَع؛ إذ أَنَّ هذا الآدمي المبتلى بالعوزِ وَالمهووس فِي البحثِ عَنْ السعادة، وَإنْ كانت قصيرة الأجل، لَمْ يَمنحه أباطرة السياسة الفرصة المناسبة لإثباتِ نفسه فِي الحياة، فَلَمْ يَكن بوسعِه الانعتاق مِنْ أروقةِ المعاناة وَمفارقة عالم الفقر.
زرع الليل فلم يحصد
سوى
عتمة كهفٍ
من صباحٍ مستريبِ!
إنّ عدمَ رقي الإنسان إلى العيشِ بحياةٍ هانئة ومطمئنّة ضمنَ المستويات المعيشيّة الجيّدة، وَالَّتِي تشير إلى صعوبةِ تحمّله متطلبات الحياة وَتكاليفها، فضلاً عَنْ عجزَه الاستمتاع بها أو إمتاع أفراد أسرته، لا تشكل الحالة السلبية الوحيدة لتزايدِ رقعة الفقر؛ إذ يمكن القول إنَّ تأثيراتِ الفقر في الْمُجْتَمَعِ كبيرة وَآثاره السلبية لا حصر لها، حيث لا تقتصر تأثيراته عَلَى الحالةِ الاقْتِصَادِيَة أو الاجْتِماعِيَّة فَحسب؛ وإنما له مجموعة متشابكة مِن التأثيراتِ الكفيلة بتدميرِ أي مُجْتَمَع، وَلعلَّ فِي القلبِ مِنْها وأكثرها خطورة هو مَا بوسعِه التأثير سلباً في العلمِ وَالثَّقَافَة.
لا يخفى عَلَى كُلِّ متابعٍ مدى الألم الذي يحزّ فِي النفسِ بسببِ حياة الفقر والعوز الَّتِي عاشها الكثير مِن الأدباء والكُتّاب والفنانين الَّذين وضعوا بصماتهم في سجلِ الإبداع قبل أنْ يرحلوا بشكلٍ مأساوي عَنْ الدنيا، وَلاسيَّما مَنْ وافته المنية عَلَى قارعةِ الطريق، أو مَنْ ألزمه حسّه الإنْسَاني رفض «واقع» العبث بمصائرِ الناس، وَمَا فرضته عَليه أصالة الجذور مِنْ مواجهةٍ لمحاولاتِ أقوياء العصر تكدير الحياة وَتلويثها بكُلِّ وَسيلة، فكان أنْ دفع ثمنه العيش فِي البائسِ مِن الأمكنةِ الَّتِي لا تليق بالآدمية، أو ارتضاء أحد أرصفة المدينة الَّتِي يعيش فِيها مأوىً، كما حصل مَعَ الشاعرِ عبد الأمير الحصيري (1942 ـ 1978) الَّذِي وُجد جثة هامدة فِي غرفةِ غاية فِي الرثاثةِ بأحدِ الفنادق البائسة، وَمثلما حدث أيضاً مَعَ صاحبِ رائعة «غريبة الروح» الشاعر الشعبي جبار الغزي (1946 ـ 1985) الَّذِي عثر عَلَيه جثة مشبعة بالمياه تحت جسر الجمهورية وسط بغداد فِي أعقابِ يومين غزيرين بالمطر، فضلاً عَنْ بقائِها رهينة إحدى ثلاجات الطب العدلي فِي بابِ المعظم مدة عشرة أيام. كذلك كان المصير التراجيدي للشاعرِ عقيل علي (1949 ـ 2005) الَّذِي اشتهر بعبارته الموجعة: «لا أقسى من غربة الوطن، فأنا لاجئ في وطني»، حيث فارق الدنيا بجسدٍ ممددٍ عَلَى أريكةِ محطة باص فِي أحد شوارع بغداد العاصمة. وَهناك الكثير مِنْ تلك الحوادثِ الَّتِي تدلل عَلَى ركونِ المبدعين لممارسةِ حالات الرفضِ والتمرد، بالإضافةِ إلى المعاناةِ الدائمة مِنْ شظفِ العيش وَبؤسه إلى الحدِ الَّذِي ساهم فِي ضياعِ هيبة الإبداع وَالمبدعين، وَكأنَّ المقولة الَّتِي تزعم أنّ: «حرفة الأدب تورث الفقر» تخيم عَلَى فضاءاتِ حياتهم.
حـلـمـتُ يـومـاً
أنـنـي
جـنـاحْ
وكـان مـا بـيـنـي
وبـيـن
الـوطـنِ الـمُـبـاحْ
مـشـنـقـةٌ
تـمـتـدُّ مـن سِـتـارةِ الـلـيـلِ
إلـى
نـافـذةِ الـصّـبـاحْ
وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
كـانـت الـسـمـاءُ صـهـوةً
وسـرجُـهـا الـرّيـاحْ
ـ ـ
حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي
قـنـديـلْ
وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الأهـلِ
صمـتٌ عـارمٌ
وصـرخـةٌ تـنـبـئُ عـن قـتـيـلْ
وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
كـانـت الـفـراشـاتُ عـلـى نـافـذتـي
تـنـسـجُ لـيْ مـن كـحـلـهـا
مـنـديـلْ
مِنْ المعلومِ أنَّ السَماويَ مثل الكثير ـ مِمَن سبقه وَمَا تلاه ـ ينتمي إلى جيلٍ جُبل عَلَى المعاناةِ وَالاضطهاد وَالحرمان، فمنذ أنْ فتحَ عينيه عَلَى هذه الدّنيا فِي أواخرِ أعوام العقد الرابع مِن القرنِ الماضي، وجد الشارع المحلي يلهج بتناصٍ معَ قولِ بدر شاكر السياب: «مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ»، عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ أغلبَ دول العالم كانت يومذاك تضع مهمة مكافحة الفقر ضمن أهم أولوياتها؛ لأجلِ التخلص مِنْ تداعياته بطريقةٍ أو بأخرى. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ السَماويَ يحيى حين أطل عَلَى الحياةَ كان أبوه كما هو حال السواد الأعظم ـ فِي مدينتِه وَبقية مناطق جنوبي البلاد ـ يصارع الحياة وَتصارعه، فِي محاولةٍ للانتصارِ عليها؛ لأجلِ تحقيق أقصى مَا هو مشروع مِنْ «طموحاته»، وَالمتمثل بإعالةِ أسرته وَلو بالكفافِ طالما يجعلها تعيش بأمانٍ وَكرامة، فلا عجب فِي أنْ يشكلَ الفقر والمؤلم مِنْ تداعياته أحد «دعائم البناء الشعري» الَّذِي قامت عَلَيه تجربته الإبداعية؛ بالنظرِ لتأثره ببيئةِ مدينته البائسة الَّتِي كان الفقر مخيماً عَلَى فضاءاتِها وَالشقاء يوشَّح لياليها، إلا أَنَّ تلك البيئة «المهمشة حكومياً» كانت تسودها معايير الفضيلة الناظمة لحركتِها، وَالَّتِي فِي القلبِ مِنها الطيبة وَالصدق وَالبساطة وَتكافل أهلها، بالإضافة إلى تميزِها بولادةِ القامات الثقافية فِي مجالاتِ الثقافة وَالفنون، فَلَمْ يكن الفقر عائقاً أمام امتطاء أبناء السَماوة صهوة الإبداع، فها هو «السَماوي يحيى بن عباس» الَّذِي يُعَدّ بوصفِه أحد أبرز شعراء العربية وَأكثرهم نتاجاً وإبداعاً، يخرج مِنْ تحت عباءة الفقر وَمحيطه الَّذِي لا يرحم إلى النجوميةِ والتألق الدائم.
أمـسِ ضُـحـىً
رأيْـتُ في بـحـيرةِ الـبـطِّ صَـبـيّـاً
يـرتدي سـحـابـةً ..
تـضـحَـكُ فـي مُـقـلـتِـهِ الـحـقـولْ
رأيْـتُ فـي ضـحـكـتـهِ
بـراءةَ الـقـانـتـةِ الـبـتـولْ
وفي بـيـاضِ الـبـطّ لـونَ قـلـبِـهـا..
وكنتُ ما بينهما
سـفـيـنـةً تُـبـحـرُ في الـمـجـهـولْ
تـبـحـثُ عـن طـفـولـةٍ ضـائـعـةٍ..
وعـن بـسـاتـيـنـي الـتـي
مـنـذ اغـتـرَبْـتُ
لـم يـزُرْهـا مـوكـبُ الـفـصـولْ
فِي قصيدته «لـماذا تـأخـرتِ دهـراً عـلـيّـا؟» مِنْ مجموعتِه الشعرية الموسومة «لماذا تأخرت دهراً»، يركن السَماوي ببلاغته المعهودة وَهو يتحدث عَنْ زياراتِه إلى السَماوةِ فِي أحلامِ اليقظة إلى اعتمادِ اصطلاحٍ غير مألوف بقولِه:
«وأمـي ـ إذا جـعْـتُ ـ تـشـوي لـيَ الـمـاءَ».
وَإذا كان ثمة مَا يدفعنا إلى التسليمِ بضرورةِ الوقوف عند العبارة المذكورة آنفاً قصد إدراك مَا تعنيه، فإنَّ الواقعَ يشير إلى نباهةِ السَماوي وتشبثه بتوظيفِ البلاغة فِي بناءِ منجزه الشعري؛ إذ أنَّه وظف هذا التعبيرٍ البلاغي «شوي الماء» فِي توصيفِ واقع الفقر الَّذِي نهش في حياةِ العراقيين بعلامةٍ فارقة، حيث أراد مِنه القول إنَّ أمه (وكل الأمهات العراقيات الفقيرات) كانت تحاول أنْ تبتكر الطريقة تلو الاخرى أو كما يشير إليها السَماوي يحيى بعبارةِ «فتح قفل باب المستحيل»؛ لأجلِ طرد شبح الجوع عَنْ صغارِها. وَضمن هذا السياق يروي السَماوي إحدى الحكايات الَّتِي قد يصعب عَلى الأجيالِ الحالية تصديقها، وَالَّتِي يقول فِيها: إنَّ امه ـ رحمها الله ـ طبخت لهم ذات يوم ماءاً وَكركماً وَبصلاً، فأكل ألذ «مثرودة» في حياته.
عَلَى الرغمِ مِنْ أني لا اكتم خشيتي مِنْ احتمال سؤال أحدهم عَنْ معنى «المثرودة» أو «الكركم»، فثمة واقع وَحقيقة ينبغي إدراكها وهي أَنَّ الباري عزَّ وَ جلَّ لا ينسى عياله؛ إذ أثبت العلم الحديث أَنَّ فوائدَ «الكركم» عظيمة فِي مواجهةِ عدد كبير مِن الأمراضِ وَالوقاية مِنْها. يضافُ إلى ذلك أَنَّ مفعولَه فِي محاربةِ السرطان يُعَدّ مِنْ أهمِ مميزاته الرائعة، حيث أشارت بعض الدراسات إلى قدرتِه عَلَى منعِ نُمو الأورام بفضلِ عمله بشكلٍ مباشر عَلَى الأنزيماتِ والجينات، مَا يفضي إلى منعِ انتشار خطوط الخلية السرطانية. وَبالاستنادِ إلى أشهرِ علماء الأورام المشهورين، فإنَّ ملعقةً صغيرة مِن الكركمِ يومياً، ستكون كافية لتوفيرِ الحماية ضد السرطان.
كاللصّ: في حذرٍ أطلُّ عليكِ من ثقبٍ بذاكرتي
وأدخل خلسة من شرطة الطرقات بيت أبي
وقد أدعو صديقا للعشاءِ: حساء دخنٍ دونما لحمٍ..
وشيء من سقيط التمرٍ..
خبزٌ «طابكٌ « زادته أمي بالدعاء العذبِ عافيةً..
ومثل اللصّ: أخرجُ قبل صوت الديكِ خشيةَ شرطة الطرقاتِ
يا نخل السماوة كيف حال القبّرات؟
أما يزال هديلها كالأمس؟



