الحكومة في العقيدة الإسلامية

أن الله أرادنا أن نتحرك في خط شريعته من موقع طاعته وتجسيد معنى العبودية في الحياة أمامه. لأن الله يريد للحياة الإنسانية أن تنسجم مع الحياة الكونية، لتتحرك تلك بإرادة الله في التكوين وتتحرك هذه بإرادة الله في التشريع، ليكون هناك تكامل بين الإنسان الذي يطيع الله في أوامره ونواهيه وبين الكون الذي يعيش الإنسان في داخله ويخضع في وجوده التكويني لقوانينه، ليطيع الله في حركة السنن الكونية. فليس لأحد أن يشرّع في مقابل شريعة الله وليس لأحد أن يتجاوز الخطوط التي وضعها الله، تعالى، في مسألة الحكم والحاكم وفي تفاصيل القانون الذي ثبت أنه وحي من الله،ولكن ليس معنى ذلك أن لا حكم للإنسان أو أن الإنسان لا يستطيع، في الدائرة الواسعة التي أوكل الله أمرها إليه ضمن ضوابط معينة أو التي أباح الله له أمر التحرك فيها وتحديد تفاصيلها، ليس معنى ذلك أن الإنسان يتجمد وأننا نطلق كلمة الحاكمية لله، لنظل نحدّق في البعيد من دون أن ننطلق في حياتنا من خلال أصولها العملية التي تمثل التفاصيل الحياتية للإنسان. إن الله تعالى يحكم من خلال الإنسان، فقد حكم الله من خلال أنبيائه وأوليائه ومن خلال كل الناس الذي ينسجمون مع الخط العريض للإسلام. ولذلك فإنه لا بد للناس من أن يحكمهم الناس. ولكن القضية هي أن الناس الذين يحكمون أو الذين يحكّمهم الناس في أنفسهم وفي الواقع لا بد من أن تكون لهم الصفات التي يرضاها الله سبحانه وتعالى للذين يتولّون مسؤولية الحياة، ومسؤولية الناس..ومن هنا، فإننا عندما ندرس نظرية الحكم في الإسلام، سواء كان ذلك على مستوى نظرية الإمامة أم نظرية الخلافة أو نظرية الشورى التي ربما تتحرك في إطار أوسع من شروط الإمامة والخلافة، بحسب الضوابط الموجودة لدى الفقهاء أو المفكرين المسلمين، عندما ندرس ذلك نجد أن مسألة حاكمية الله لا تعني أن الحكم في الحياة يكون إلهياً، بمعنى أن يكون الحاكم ظل الله في الأرض من دون أية ضوابط وحدود؛ بحيث تكون المسألة هي ذاتية الحاكم في موقعه، لا موضوعية الخط الذي جعله الله له في حركته.
إننا نجد أن الله حدّد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو النموذج الأعلى للإنسان الذي جعله الله نبياً وخليفةً للناس، حدد له الحدود وقنّن له القوانين؛ فلا يستطيع النبي أن يحكم بمزاجه وإن كنا نفترض أن مزاجه لا ينفصل عن إرادة الله فيما أودعه الله في نفسه من القداسة ومن العصمة ومن الانفتاح على كل مواقع رضاه، ولكن الله لم يجعل ذلك منطلقاً من الذات بل من الخط،ولهذا لاحظنا أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو المعصوم من الله في التبليغ وفي حركته في الواقع، ولذلك نرى أن السنّة هي قوله وفعله وتقريره،إننا نفهم من ذلك أن الحكم في الإسلام هو حكم إنساني، يستمد شرعيته من الله في حدود الضوابط التي جعلها الله للحكم وللحاكم.
أقول إننا بحاجة إلى تطوير في الشكل لا في العمق، لأن الفكر الإسلامي الذي عاش تجربة طويلة متنوعة في طبيعته المنفتحة على حاجات الإنسان في كل مرحلة من المراحل، يوحي بأن النظام الإسلامي ليس مجرد عنوان فكري نحاول البحث عن أرض يمكن أن يتحرك فيها، ولكنه يمثل كياناً قانونياً فكرياً فلسفياً على مستوى القواعد الفكرية النظرية والعملية. ومشكلتنا الآن هي: كيف يمكن إخراج هذا النظام الإسلامي إلى الواقع بطريقة عصرية جديدة؟تكثر الدراسات التي تتناول الحراك الفكري والثقافي لدى الإسلاميين على امتداد العالم الإسلامي. وقد انصبت هذه الدراسات على تناول بعض الأبعاد المتصلة بهذا الحراك وما يتلازم معه من سلوكات عملية تتعلق بكيفية التعامل مع الذات ومع الآخر المغاير سواء في الدين أو المذهب أو الأيديولوجيا، أو لناحية الدعوة إلى التجديد الديني وتكييف أحكام هذا الدين مع الواقع المفتوح على مقتضيات التطورات الحديثة في ميادين العلوم والتكنولوجيا، وسائر ميادين المعرفة وما يرتبط بها من تبدلات في أنماط التفكير والسلوك. غير أن هناك من بين هذه الدراسات التي لا زالت تحظى باهتمام الباحثين إشكالية علاقة الدين بالدولة وهي فكرة لا تزال تجد تحدياتها جرّاء تطور الأشكال الحديثة للدولة لاسيما مع نشوء فكرة المواطنية التي أتاحت للدولة توفير حقل عمومي للأفراد وتأطيرهم بإطار الولاء الكلي عبر النظر إليهم بوصفهم أفراداً لا بوصفهم جماعات متغايرة بفعل العقيدة أو الانتماءات ذات الطابع التاريخي التقليدي.
لقد طُرحت دولة المواطنة كبديل للدولة التي كانت سائدة في العصور الوسطى في أوروبا قبل بروز فكرة فصل الدين عن الدولة. وقد وجدت هذه الفكرة حاضناً لها لدى العديد من المفكرين والمثقفين في العالم الإسلامي، علماً أن الدولة في العديد من أقطار هذا العالم ما زالت تستند إلى الولادات التقليدية كالقبيلة والطائفة وسائر الأطر التي لعبت ولا تزال دوراً وازناً في الحقل السياسي،ففيما مضى كان شكل الحكم في الإسلام متفقاً عليه أثناء حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لجهة الحاكمية التي شغلها هو نفسه. وبعد وفاته طرحت الإشكالية حول طبيعة النظام السياسي الإسلامي في كيفيّة انبنائه، وآليات تشكله.غير أنه وبعد مرور قرون من الزمن، لا سيما مع دخول الاستعمار الغربي إلى العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر، ومن ثم نشوء الكيانات القطرية في أعقاب انهيار الخلافة العثمانية التي كانت تمثل بنظر الكثير من المسلمين امتداداً لنظام الخلافة الإسلاميّة، أدى نشوء هذه الكيانات إلى بروز حركة شديدة الاعتراض حول الواقع الجديد خصوصاً لدى الحركات الإسلامية.



