التقوى المعرفية والعملية
الشيخ فلاح العابدي
تمتاز النفس الإنسانية عن سائر المخلوقات بقوتيها العالمة( العقل النظري) والعاملة( العقل العملي) بعدّ أن الفعل الإختياري يصدر عنها بتبع مرتبة عالية من الشعور وهي مرتبة التعقل، كما تمتاز بقابلية الاتصاف بالفضائل الأخلاقية التي تزكيها وتصفيها من كل أدران عالم المادة وتخلصها لبارئها سبحانه، { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} فكمال النفس الحقيقي يكمن بكمال هاتين القوتين، أما القوة العالمة فهي التي بتوسطها تدرك النفس الانسانية الأشياء، وكمالها أن تتصور حقائق الأشياء بنحو صحيح وتصدق بأحكامها على ما هي عليه في الواقع، و أما القوة العاملة فهي التي بتوسطها تتمكن النفس الانسانية من تدبير البدن، فكمالها يكون في تدبير البدن على الوجه الصحيح، و ذلك بأن تتباعد عن طرفي الافراط و التفريط في افعالها الاختيارية الخارجية، و تبقى على الوسط الذي هو العدل،ولا بدَّ أن يعلم هنا أن كمال النفس في قوتها العالمة يكون خاضعا لعمل اختياري أيضا وهو عملية التفكير، التي هي حركة إختيارية للنفس في معلومات حاصلة عندها لتحصيل علوم تطلبها كانت جاهلة بها، ولما كانت هذه الحركة وهذا الفعل يمكن أن يقع على نحو صحيح أو خطأ كان للنفس بتوسط هذه القوة فضائل و رذائل تتعلق بها أيضا، تكتسب بتكرار الفعل ورياضة النفس عليه، ولذا كان علم المنطق متعلقا بكيفية العمل، و غايته ليست حصول رأي وعلم بشيء معين، بل الإصابة في الفكر و العصمة من الخطاء فيه، وهو فعل وعمل يصدر عن النفس بنحو اختياري وإن كان فعلا باطنيا جوانحيا لها حيث كان ذهنيا،وإنما لم يعد من علوم الحكمة العملية بل عد من النظرية باعتبار أن تقسيم الحكمة الى نظرية وعملية كان باعتبار كون موضوع العلم مما يكون وجوده ليس باختيارنا فيكون من العلوم النظرية، أو باختيارنا ليكون من العملية، وموضوع علم الميزان هو المعقولات الثانية من حيث وقوعها في طريق تحصيل تصور أو تصديق، فوجودها لايكون باختيارنا وإرادتنا، ولكن عملية التفكير هي حركة اختيارية، و وقوعها بوجه صحيح أو خاطئ من حيث المادة والصورة يكون باختيارنا وتحت ارادتنا، فنحن من يختار مادة الإستدلال، ونحن من يختار صورته، فعلم المنطق يشارك العلوم العملية في الغاية المشتركة و هي نفس العمل وإن كان فيه ذهنيا، وفيها خارجيا جوارحيا..ولما كان كمال النفس الإنسانية واكتسابها للفضائل إنما يكون بتوسط الفعل الإختياري لها، الذي تنجزه بوساطة قوتها العالمة أو العاملة، فيكون كمالها الواقعي والصحيح محصوراً في العلم و العمل الصحيحين، ولكل منهما عدالة وتقوى تخصه، فعدالة القوة العالمة وتقواها تحصل بتسلط العقل النظري على قوتي الوهم والخيال وبالتالي تحصل العدالة في التصرفات والافعال الذهنية في مرتبة التعقل والذي تكون نتيجته بناء رؤية كونية صحيحة، وعدالة القوة العاملة وتقواها تحصل بتسلط العقل العملي على القوى الحيوانية في الإنسان وهي قوتي الشهوة والغضب، وبالتالي تحصل العدالة في التصرفات والأفعال الخارجية، والذي تكون نتيجته اتصاف النفس الصفات والأخلاق الفاضلة.



