من يقرع الباب يسمع الجواب
بثينة شعبان
حين أصرّ الأميركيون على أسلوبهم المتعالي، واعتقادهم بأنّهم قوّة لا تُقهر، وضع الرئيس بوتين عناصر القوّة الرّوسية على الشاشة كي يروا أنّهم لن يتمكّنوا بعد اليوم من التلاعب بمصير البشر.
حالما أنهى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطابه السنوي أمام «الجمعية الاتحادية الروسية»، سارعت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى الاتصال بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وكذلك فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليتباحثوا ويعبّروا عن قلقهم الجدّي بشأن تصريح بوتين عن الأسلحة النووية، ويؤكّدوا أن هذه التصريحات تحرف المناقشات البنّاءة بين روسيا والغرب.
ولكنّ الولايات المتحدة هي التي تقف حجر عثرة في طريق التوصّل إلى اتفاق عالمي شامل لمنع انتشار الأسلحة النووية؛ فقد دعت روسيا مراراً، وآخرها دعوة الوزير لافروف، يوم 28 شباط 2018، جميع بلدان العالم إلى الانضمام لعملية نزع السلاح النووي. كان ذلك في كلمة ألقاها لافروف في مؤتمر نزع السلاح في جنيف، حيث عبّر عن قلق موسكو من المواقف الأميركية الجديدة في استراتيجيتها النووية، وخاصّة رفع دور الأسلحة النووية، وخُطط نشر صواريخ القدرة التدميرية المحدودة، التي تحاول أن تطوّق روسيا من كلّ مكان.
فقد قال الرئيس بوتين إنّ واشنطن رفضت كلّ المقترحات الروسية لتسوية قضية منظومة الدرع الصاروخية. وبالعودة إلى خطاب ترامب، فقد طلب من الكونغرس «إنهاء الخفض الخطير لنفقات الدفاع والتمويل الكامل لقواتنا المسلّحة العظيمة». وفي هذا الصّدد، فإنّ زيادة ميزانية الدفاع الأميركية هذا العام، الزيادة فقط، تكاد تُضاهي ميزانية روسيا الدفاعية.
لم يكتفِ ترامب بذلك، بل خصّ روسيا والصين بجرعة من الكراهية والتهديد المبطّن، حين قال: «في جميع أنحاء العالم، نواجه أنظمة مارقة، وجماعات إرهابية، ومنافسين مثل الصين وروسيا، وجميعها تتحدى مصالحنا واقتصادنا وقيمنا، وفي مواجهة هذه الأخطار الرهيبة، فإنّنا نعلم أنّ الضعف أضمن طريق للنزاع، وأنّ القوّة التي لا مثيل لها هي أضمن الوسائل للدفاع الحقيقي المتين عن أنفسنا».
يجب أن نطبّق حقّ الدفاع عن النفس وامتلاك القوّة الرادعة على روسيا أيضاً، التي تواجه أعمالاً استفزازية تمارسها الولايات المتحدة وأوروبا، من عقوبات اقتصادية إلى نشر 400 صاروخ لمنظومة الدرع الصاروخية الأميركية، التي ستنتشر قرب الحدود الروسية، إلى تعليق محادثات الأمن السيبيري، فتمديد العقوبات الأميركية والأوروبية عليها.
إنّ التناقض المسعور في تصرّف الإعلام الغربي بين ردود فعله على خطاب ترامب وردود فعله على خطاب بوتين يؤكّد، من دون أدنى شكّ، أنّ الإعلام الغربيّ أصبح إحدى أدوات الحرب للنظام الغربي الاستعماري، وأنّ إحدى أولويات روسيا والصين ودولنا جميعاً يجب أن تكون، أولاً وقبل كلّ شيء، اجتراح أدواتٍ إعلاميّة توصل الأصوات الحقيقية إلى أذان السامعين والمشاهدين والمهتمّين، ولا تدعُ الساحة العالمية فضاءً مفتوحاً لمن يدّعون أنهم يقودون العالم بينما هم ينهبون ثرواته ويُشعلون الحروب في كلّ مكان ويسلبون الدول والشعوب مصادر ثرواتهم المحلّية بقوّة السلاح، وبادّعاءات واهية بالحرص على الحرّية وحقوق الإنسان والمدنيين.
ولكنّ السبب الأساسيّ الذي أثار ذعر الغربيين ودعاهم إلى التناجي بسرعة وقلق بشأن خطاب الرئيس الروسي أنّ خطاب بوتين، المرفق بالصور عن الأسلحة القادرة والمتطورة، كان إيذاناً حقيقياً بأنّ روسيا قطب عالمي جديد لا يمكن الولايات المتحدة أو الغرب أن يتجاهلوه بعد اليوم.
لقد قرع ترامب الباب في خطاب الاتحاد في 30 كانون الثاني 2018، وسمع الجواب من موسكو في 1 آذار 2018… من يقرع الباب يسمع الجواب. إنّ القطب الروسي الجديد يخطّ أسلوباً في التعامل ويكسب صدقية تساهم في تعرية القوى الاستعمارية واستهانتها بكرامة الشعوب الأخرى وأمنها وسلامته.



